اللواء متقاعد راشد عبدالله محيان الكتبي:

زايد «ابن الصحراء» أسس الوطن على دعائم الحكمة والمحبة

العظماء لا يرحلون لأنهم يتركون من طيب ذكرهم ما يبقى خالداً أبد الدهر، وتتناقل الأجيال سيرتهم غضّة حيّة كما لو أنهم يعايشونها لحظة بلحظة..

والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، كان قامة إنسانية باسقة، يفوح عطره على كل من عاصره، فأصبحت يومياته معهم كنزاً ثميناً يتناقلونه بين أبنائهم وأحفادهم ميراثاً عزيزاً يستقون منه ما يهتدون به في الحياة..

هذه صفحة يومية لأناس عاصروا الشيخ زايد بن سلطان يروون أحاديث الفكر والقلب والوجدان ممزوجة بعبق المحبة الغامر.

أكد اللواء متقاعد راشد عبدالله محيان الكتبي، أحد أعيان مدينة الذيد في الشارقة، أن تاريخ المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، زاخر بالإنجازات ويستحق من الجميع الاحتفاء به، إذ قاد دولة بتوازن فذ بعد أن وحدها بالمحبة والكرم والتسامح والعطاء، فقد بذل الغالي والنفيس وذلل الصعاب وبنى دولة وحقق معادلة صعبة، حيث جمع فيها بين دفتي التطور واللحاق بالأمم المتقدمة والانفتاح بما لا يتعارض مع الدين الإسلامي الحنيف والقيم النبيلة، ونجح في رفع علم دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن جمعها تحت لواء واحد، لواء الانتماء للوطن، وما جاء بعد ذلك كان أصعب لكن إيمان القائد بما يقوم به وعزيمته التي كان يتحلى بها وحرصه ووطنيته الخالصة مكنته من النجاح.

وأضاف الكتبي: لقد كان زايد «ابن الصحراء» شخصية استثنائية أسس الوطن على دعائم الحكمة والمحبة، وقد رحل بعد قيادة حكيمة ومسيرة حافلة بالإنجازات، حرص فيها على وحدة أمته ولحمة شعبه، بحنكة القائد وحكمة الأب، حيث اهتم بالجيش والتعليم والصحة وأولاها رعاية خاصة، وهذا الأمر كنّا شهود عيان عليه باعتبارنا معاصرين لهذه الإنجازات الخلاقة، والتي كان يعمل عليها بوعي، ورؤية ثاقبة، وتفكير عميق، متطلعاً إلى الارتقاء بالوطن، وكان، رحمه الله، بسيطاً ومتواضعاً، حريصاً على مصالح الناس والجلوس معهم، وزرع فيهم الثقة والولاء والتفاني فأخلصوا له.

حي زايد

يقول اللواء المحيان: كنت من المواطنين العسكريين في القوات المسلحة فكان حب زايد قد تعشش في نفوسنا، وهذه نعمة من الله تعالى، فقد منحه محبة الناس وما عرفناه ولمسناه من أفعاله جعله مصدر فخر لنا وللعرب جميعاً، فزايد، رحمه الله، ابن الصحراء ترعرع فيها وكان «يركب الناقة» ويحمل الحطب على كتفه، تعلم من رمالها الصبر والكرم والتواضع وأسس دولة بفكره وحنكته قواعدها كانت التسامح ودينها الإسلام، ويكفينا أن نستشهد بكلمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، الذي قال أثناء تكريمه الشخصية الثقافية لجائزة زايد للكتاب، إن الشيخ زايد نجم لاح من الأفق فصنع أمة، كما طلب صاحب السمو حاكم الشارقة من الآباء والأمهات أن يعلموا أبناءهم بالورقة والقلم «هذا ما يحبه زايد وهذا ما لا يحبه زايد».

لقاء لا ينسى

يقول المحيان إنه لا يزال يتذكر حتى هذه اللحظة كل تفاصيل اللقاء مع المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، وكان ذلك في العام 1960 عندما حلّ المغفور له ضيفاً على الذيد، مشيراً إلى أن هذه اللحظات محفورة في ذاكرته فلا صورة تؤرخها في تلك الفترة، لافتاً إلى أن مزرعة الميدك كانت مقر إقامة الشيخ في هذا الوقت كونها كانت أول مزرعة متطورة وهي للشيخ صقر بن سلطان، حيث جلسوا وأخذوا قسطاً من الراحة فيها هو ومن كان برفقته، وكان هذا اليوم يوم فرح بالنسبة للناس الذين كانوا ينقلون الخبر بين بعضهم البعض ويتوافدون على المزرعة للجلوس مع الشيخ زايد، مشيراً إلى انه كان صغيراً في هذه الفترة لكنه يعي الأحداث بصورة كبيرة، حيث لمس محبة الناس وتقديرهم لشخصيته، موضحاً أنه سلم على جميع من كان بالمجلس وهو منهم لكن الحديث كان متروكاً للكبار والصغار يستمعون إلى حكمة من هم اكبر سناً.

وأضاف: كان المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، حريصاً على لقاء الجميع والحديث معهم، وهكذا كان ديدنه دائماً فكان يتحرك ساعياً إلى لمّ الشمل حتى بعد أن توحدت الإمارات لم تتوقف جولاته في ربوع الدولة، فقد كان، رحمه الله، قريباً من الناس ويدرك هذه الجوانب الإنسانية والفريدة التي يتمتع بها الصغير والكبير وكل من عاش بالقرب منه.

وأضاف: في هذه الجلسة بالتحديد كان يتكلم مع الحضور في شتى الأمور والمواضيع، وتوالت الجولات لاحقاً التي كانت تجمع المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، مع كبار رجال الدولة من أجل ترسية دعائم الدولة وكانت ردود فعل الناس مثار دهشة وإعجاب، فالكل اجتمع على محبته والثقة بكل خطوة يقوم بها وإطاعته.

ويتابع سرد شريط الذكريات قائلاً: كنت ضابطاً في القوات المسلحة «قوة ساحل عمان»، حيث انضممت لها بتاريخ 2/‏2/‏1962 ومستهلاً حياتي العسكرية كجندي وكنت أبلغ من العمر 16 عاماً متدرجاً إلى أن وصلت إلى لواء وتقاعدت بتاريخ 1/‏3/‏2000، مشيراً إلى أن المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، قبل قيام دولة الاتحاد وبعد قيامها بفترة بسيطة اهتم بجميع مؤسسات الدولة لكن كان على رأسها المؤسسة العسكرية «الشرطة والجيش» مستذكراً ما طلبه، رحمه الله، في العام 1971 من مرافقيه وعدد من كبار الشخصيات الانخراط في دورة وكنت رقيباً وقتها.

وقال إن، المغفور له، كان يردد دوماً أن الدولة لا تقوم من دون جيش قوي فكانت خطوات تسليح الجيش وتقويته من بوادر قيام دولة الاتحاد، إضافة إلى قطاعي الصحة والتعليم، حيث كان للتعليم مكانة مهمة في فكر المغفور له، وإنه سلاح التطوير والتميز والارتقاء، مضيفاً أن زيارة ثانية كانت للشيخ زايد في العام 1971 حيث تحرك إلى منطقة بقعة سهيلة ثم إلى رأس الخيمة وكان يتحرك وينام في عدة مناطق وكان هدفه الحديث عن الوحدة والالتقاء بالناس ومعرفة أوضاعهم واحتياجاتهم.

واستطرد: مهما تكلمنا عن منجزات ومناقب الشيخ زايد فلن نوفّيه حقه أبداً، وما نحمله في القلوب له أكبر بكثير من كل الكلمات، فمحبة زايد وفخرنا واعتزازنا به وبدولة الإمارات عظيم جداً، فكان القائد والأخ والأب والابن، قاد بحكمة ومحبة وكرم وأسس قاعدة صلبة لا يزعزها شيء والتف الجميع حول قيادته الحكيمة التي عكست ما يتفتق عنها من قدرات وأعمال جليلة جعلت الإمارات تضاهي الدول الكبرى.

وقال المحيان إن وجوده في الجيش جعله على تماس مباشر مع التطورات التي تحدث فبعد الاتحاد على الفور انصهر الجيش تحت لواء واحد وكان ذلك بتاريخ 6/‏5/‏1976 وهو يوم نفتخر به جميعاً ولا ننساه أبداً، فقد كانت السعادة بادية على الوجوه المستبشرة بالقادم، لافتاً إلى أن دخوله الجيش كان بتشجيع من أقاربه وجيرانه وأصدقائه المقربين وأنه كان من الأشخاص الذين سجلوا في مركز تدريب المنامة لمدة أربعة أشهر، وبعدها تخرج من الدورة وأصبح جندياً وترفع بعد ذلك بشكل تتابعي، لافتاً إلى أن المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، كان يشهد احتفالات الجيش والتدريبات ويحرص على متابعة شؤونه في كل صغيرة وكبيرة لأنه يدرك أهمية الجيش وأن أي دولة قوية يجب أن يكون لديها جيش قوي مؤهل ومسلح.

أوسمة

وتحدث عن أبرز الأوسمة التي حصل عليها في حياته العملية منها وسام الإمارات العسكري من الطبقة الأولى تقديراً لما قام به من خدمات وأعمال مميزة أثناء خدمته في القوات المسلحة، حيث تسلم الوسام من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك جائزة الشخصية المخضرمة عن فئة العمل التطوعي وتسلمها في الشارقة من سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد الشارقة، وتكريم الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، للمستضيفين والمشاركين والإعلاميين المحاورين في مجالس رمضان القانونية التي نظمتها الأمانة العامة لمكتب سمو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وشملت أنشطتها مختلف إمارات الدولة بالعام 2013، وغيرها من الأوسمة.

ويؤكد اللواء المحيان بأنهم ليسوا بحاجة إلى تكريم لأن هذا واجبهم حيال دولتهم ولكن كرم وأخلاق الشيوخ يجعلنا نشعر بدافع لتقديم المزيد والمزيد من العمل لمصلحة الوطن العليا.

وقال: واجبنا أن يحافظ الجيل الحالي على إرث الشيخ زايد وأن يواصل درب التطور والنماء كي يحافظ على الإنجازات العملاقة التي تحققت بفضل حنكة ورؤية الشيخ زايد وقدرته على استشراف المستقبل وإدراكه أن الإمارات لن تقوم لها قائمة إذا بقيت إمارات متناثرة فوحدها بعقد فريد ضم سبع حبات من اللؤلؤ النفيس، مشيراً إلى انهم يسعون، كل في موقعه إلى العمل والاجتهاد، موضحاً انه كرئيس لمجلس أولياء الأمور عمل على دعم قطاع التعليم وتعزيز التواصل بين البيت والمدرسة، موضحاً أن الشيخ زايد، رحمه الله، كان يردد دوماً «ثروتنا في شبابنا» والشباب دون تعليم لا تأثير له لذا علينا ان نساهم في تطوير التعليم وإكمال المسيرة ودورنا مسعد لوزارة التربية والتعليم من خلال خمسة مجالس موزعة على مستوى الإمارة، حيث ينظمون زيارات للمدارس عبر دول متفق عليه يتم الترتيب له بالتعاون مع المدارس يركزن على غرس مجموعة من القيم في نفوس الطلبة كقيمة المواطنة الحقيقة والمسؤولية الأخلاقية ونبذ السلوكيات السلبية وتعزيز الوازع الديني في نفوس المتعلمين والاهتمام بالدراسة والتسابق في نيل أعلى درجات العلم كون حب الوطن والولاء له يترجم بالأفعال.

وأضاف للمجالس دور متابعة الميدان والمساهمة في حل الإشكاليات التي يمكن لها أن تتدخل بإطار ودي دون أن تتشعب، لافتاً إلى أن التعليم مسؤولية مشتركة وليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم فقط، فكل المؤسسات بدءاً من الأسرة مررواً بالمؤسسات الاجتماعية والدينية والرياضية والإعلامية لها دور في تنشئة الفرد السوي القادر على المشاركة في تنمية الدولة بثقة واقتدار، وحمل الأمانة التي تركها لنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، الذي بنى دولة قوية، وهي اليوم في عهدة أبنائه.

تربية الأبناء

يقول راشد الكتبي: ربيت أبنائي على خشية الله والعمل بإخلاص قدوتهم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، ومحبته مترسخة في قلوبهم وقلوب كل من سمع عن هذا القائد الاستثنائي سواء عاصره أو لم يعاصره، فهو لا يزال حياً في الوجدان، ونحن اليوم نركز على الولاء والوطنية وأهمية الالتفاف حول القيادة والنهل من سيرة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، رحمه الله، التي لا تنضب لأن فيها من الحكم والمواقف التي يمكن أن تكون منهاج عمل يسير عليه الجميع.

تعليقات

تعليقات