كأس العالم 2018

الشاعر والإعلامي عبيد المزروعي:

زايد دعم تأسيس الصحف وحصّنهـــــــــــا بحرية التعبير والشفافية

العظماء لا يرحلون لأنهم يتركون من طيب ذكرهم ما يبقى خالداً أبد الدهر، وتتناقل الأجيال سيرتهم غضّة حيّة كما لو أنهم يعايشونها لحظة بلحظة..

والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، كان قامة إنسانية باسقة، يفوح عطره على كل من عاصره، فأصبحت يومياته معهم كنزاً ثميناً يتناقلونه بين أبنائهم وأحفادهم ميراثاً عزيزاً يستقون منه ما يهتدون به في الحياة..

هذه صفحة يومية لأناس عاصروا الشيخ زايد بن سلطان يروون أحاديث الفكر والقلب والوجدان ممزوجة بعبق المحبة الغامر.

يستذكر عبيد بن حميد المزروعي الشاعر والإعلامي الإماراتي المخضرم، رئيس تحرير جريدة الفجر الإماراتية التي صدرت عام 1975 في أبوظبي، دعم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ومواقفه تجاه الإعلاميين المواطنين وحرصه على إنشاء صحف إماراتية تنقل إنجازات الإمارات وشعبها ومسيرة التطور التي شهدتها الدولة آنذاك عقب الاتحاد مع توفير حرية التعبير لتلك الصحف وفق مبدأ الشفافية، حيث يقول إن زايد كان حريصاً على دعم الصحف منذ تأسيسها مادياً ومعنوياً وخصص لها إيرادات كانت تصرف من قبل وزارة الإعلام في تلك الفترة إضافة إلى منح الأراضي لإقامة مقار لهذه الصحف وتأمين المعدات اللازمة مثل المطابع وغيرها.

وقد رافق عبيد المزروعي المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في العديد من الزيارات الرسمية خارج الدولة التي زادت على 10 دول حول العالم منها: اليمن وإنجلترا والعراق والصين وكينيا وتركيا وغيرها من الدول.

وشكلت هذه الرحلات مع الشيخ زايد، رحمه الله، نقطة انطلاقة هامة لعبيد المزروعي أطلعته بشكل أكبر على فكر الشيخ زايد وتطلعاته وطريقته الدبلوماسية في التعامل مع العالم العربي والغربي، وقراراته التاريخية التي كانت تحرص على لحمة شعوب المنطقة وتعاونها لصالح قضاياها وشعوبها.

بدايات

ولد عبيد حميد المزروعي عام 1935 في إمارة عجمان وتتلمذ على يد المطوع الشيخ محمد المطوع، وأيضاً على يد حميد بن محمد الذي كان قاضياً في إمارة رأس الخيمة، وكان ذاك الاحتكاك اليومي والقرب من العلماء والحكماء سبباً في تكوين قاعدة الانطلاق في مجال الشعر، وقد سبق له أن كتب القصائد منذ طفولته.

سافر المزروعي الى السعودية عام 1949 مع والده الذي قصدها للعمل ثم التحق عبيد للعمل في مجال البترول مع شركة «أرامكو»، حيث شكلت هذه الفترة نقلة نوعية في حياته من ناحية تعليمه وإتقانه للغة الإنجليزية خلال عامين واطلاعه على ثقافة جديدة، حيث استمر عمله هناك 8 سنوات، وكانت جميع المطبوعات التي قرأها آنذاك باللغة الإنجليزية، من كتب ودوريات وصحف أميركية وبريطانية، حيث عكف على القراءة والمطالعة.

وبعدها انتقل المزروعي للعمل في جزيرة «داس»، حيث تعلم أكثر عن قضايا النفط واستمر عمله في مجال البترول حتى عام 1964، ثم التحق للعمل في مجال البنوك وعمل فيها لمدة 18 عاماً، حيث وصل في عمله إلى مناصب إدارية كبيرة، كما التحق ببنك دبي الوطني في أول تأسيسه ثم ساهم في تأسيس بنك أبوظبي التجاري.

اللقاء الأول

التقى عبيد المزروعي الشيخ زايد، رحمه الله، أول مرة عام 1952 في الدمام، حيث كان المزروعي قد التحق للعمل في إحدى شركات النفط السعودية، وكان المغفور له الشيخ زايد في زيارة رسمية للسعودية، ويستدعي المزروعي ذاكرته ليردد بعض الكلمات التي قالها واحد من المسؤولين السعوديين آنذاك، ويدعى عبدالرحمن الشيباني الذي كان يشغل مدير ديوان أمير المنطقة الشرقية في السعودية، حيث وصف الشيخ زايد بأنه حاكم ذكي وقراراته ثابتة ومتحدث بطلاقة وإنساني من الدرجة الأولى، إضافة إلى أنه سياسي متميز بحنكته وتدبيره للأمور ونظرته المستقبلية للأحداث والمتغيرات.

ويؤكد المزروعي أن من أهم الصفات التي تعلمها من زايد، رحمه الله، الحكمة بحيث تجد أن كل كلمة ينطقها لها مضامين وأهداف فكان ثاقب الرأي في قوله وصدقه وأمانته وأهدافه، كما أنه كان متواضعاً واجتماعياً بطبعه وهو أديب وله حضور متميز.

ويقول: زايد مدرسة شمولية تعلمنا منه الكثير، ففي زياراتنا معه كنا نتعلم شيئاً مختلفاً في كل مرة، وذلك أثر في شخصياتنا آنذاك وما زال هذا الإرث تاركاً بصمته علينا ونحن بدورنا نقلنا هذا الإرث من الحكمة والتواضع والإنسانية والأخلاق إلى أبنائنا وأحفادنا وكل من تعاملنا معه حتى باتت بصمات زايد واضحة على أبناء الإمارات عبر الأجيال تتناقلها من جيل لآخر.

ويتابع: بصمات الشيخ زايد، رحمه الله، الإنسانية وطيبته وكرمه أصبحت معروفة ليس فقط في محيطنا المحلي والخليجي والعربي وإنما هي بصمة معروفة عالمياً، حيث إن حِكَمه وأقواله لا تزال حاضرة بيننا ونترجمها في الأفعال حتى يومنا هذا وستبقى مع أبنائنا وأحفادنا إلى المستقبل.

وحول نظرة زايد للتعليم والاقتصاد يؤكد المزروعي أن زايد، رحمه الله، أسس نظرة ومفاهيم شمولية حول الاقتصاد وربطه بالتعليم وبناء مجتمع ذكي ونحن سلكنا هذا الطريق، وإلى الآن ما زلنا نسير فيه وهذا دليل على أن زايد كان يدرك متطلبات القيادة وأسسها بالفطرة وهذه الفطرة نادراً ما نجدها عند الكثيرين.

ويذكر المزروعي أحد المواقف خلال مرافقته وعدد من رؤساء تحرير الصحف المحلية للشيخ زايد في زيارته إلى كينيا، حيث زاروا إحدى القلاع الموجودة هناك والتي أطلق عليها «قلعة المزاريع» وعلموا أن هذه القلعة سميت بهذا الاسم نتيجة لقيام عدد من أبناء هذه القبيلة بطرد المستعمر البرتغالي منها وأقاموا فيها 80 سنة، وتشكلت من هذه القلعة قيادات ساهمت بطرد المحتل، وهنا تأثر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بهذا الموقف وعبّر عن افتخاره بهذه القبيلة التي كان لها يد في طرد المستعمر في تلك المنطقة.

رياضة القنص

وحول علاقة الشيخ زايد برياضة القنص والصيد بالصقور، يشير المزروعي إلى أن زايد أعاد إحياء هذه الرياضة التي هي من صميم تراثنا العربي الأصيل وجعلها ممارسة، ما جعل الشباب يقبلون عليها إحياءً لهذا الإرث الهام حيث شكلت النوادي التي تعنى بتدريب الصقارة وغيرها من الأنشطة والمسابقات التي تحث النشء على هذه الرياضة حتى باتت الإمارات واحدة من أبرز الدول عالمياً في رياضة الصيد بالصقور.

وفي ما يتعلق بدور الشيخ زايد، رحمه الله، في تأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية، يقول المزروعي: هذا الاتحاد هو اتحاد زايد، فلولا عزيمة زايد لما تأسس فهو ثمرة جهوده، رحمه الله، وسعيه الدؤوب وقناعة حكام الإمارات آنذاك بأهمية هذا الاتحاد، كل ذلك أيضاً تحقق بتوافق الشعب مع الحكام والرغبة الصادقة والملحة في تحقيق الوحدة ونبذ الفرقة لأن إيمانه، رحمه الله، كان منصباً على الوحدة التي تقوى بها الدول وتحقق فيها رفاهية شعوبها وأمنها واستقرارها. وحول تأثير شعر الشيخ زايد على المزروعي، يشير إلى أن زايد كان ملهماً للكثير من الشعراء في قصائده التي تمتلئ بالحكمة والبلاغة والصور الشعرية الرائعة وهذا ما أثر على شعر عبيد المزروعي، الذي كتب قصيدة مشهورة إهداء للشيخ زايد بعنوان «موكب النور». ويضيف: نظمت في مدحه، رحمه الله، أكثر من عشر قصائد باللهجة المحلية، وفي كل قصائدي كانت إنسانيته تأسرني فأنظم قصائدي وكلي اعتزاز وفخر بهذا القائد الملهم ذي الشخصية الاستثنائية.

استثمار في الإنسان

وحول دور زايد في التعليم والاستثمار واستقرار الإمارات وازدهارها في وقت قياسي يقول عبيد المزروعي، الذي عمل في مجال النفط بالسعودية وأبوظبي، ثم عمل أيضاً في العمل المصرفي وساهم في تأسيس بنك أبوظبي التجاري: إن فكر زايد الذي انصب عقب الاتحاد على بناء الإنسان وتعليمه والاستثمار فيه شكل عنصراً هاماً في ما بعد في تحقيق ما وصلت إليه الإمارات الآن، حيث ركز سموه على التعليم وجعله إلزامياً وفتح المدارس والجامعات والكليات وأوفد الدارسين إلى الخارج لينهلوا من أحدث العلوم، كل ذلك إيماناً منه بأن الاستثمار في الإنسان هو أفضل استثمار، وبالتالي فإننا ما زلنا نشهد غرس زايد وما تعلمناه منه في تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي لدولتنا وازدهارها لتكون واحدة من الدول الأسرع نمواً ليس فقط في المنطقة وإنما في العالم.

ويذكر المزروعي أنه قبل 15 عاماً كان قد ألقى محاضرة في الولايات المتحدة الأميركية عن شخصية وفكر الشيخ زايد «رحمه الله» كما ألقى بعض قصائده، رحمه الله، التي ترجمها ترجمة فورية على الحضور ووجدت استحساناً منقطع النظير، حيث ركز في المحاضرة على جوانب الخير والعطاء لدى زايد. ويقول: كانت «كاريزما» زايد وحكمته وإنسانيته تتمثل أمامي جنباً إلى جنب حين أنظم قصائدي حباً به.

ويختم المزروعي: تعلمنا من زايد الحكمة والصدق والأمانة، وأنا شخصياً أفادتني هذه الصفات كثيراً في عملي بالإعلام، حيث ركزنا على تحري الدقة والصدق في نقل الخبر والأمانة، وكل هذه التوجيهات كان منبعها زايد الذي آمن بحرية الصحافة الحرة والمسؤولة ودور الإعلاميين الهام في المجتمع.

ووجه المزروعي نصائح للشباب الاماراتي ودعاهم الى الالتزام بنهج وفكر زايد مؤسس الدولة، ذلك الفكر الذي أسس نهضة الإمارات وجعلها واحة أمن خضراء تتعايش فيها مختلف الجنسيات والديانات والثقافات والأعراف في تناغم وانسجام، حيث يؤكد أن من أجمل ما تعلمناه من زايد هو حب الإنسان للإنسان والإحساس بالآخرين والانفتاح على الثقافات والشعوب وأن الإمارات تميزت عن غيرها من الدول بهذا التسامح والانسجام الحضاري والإنساني لتصبح الوجهة الأولى للكثير من الشباب ومقصد الأحلام والسعادة.

بصمة عالمية

«زايد محاسنه ستذكر إلى الأبد»، بهذه الكلمات يصف المزروعي دور زايد الإنساني ليس فقط محلياً وإقليمياً، وإنما دولياً، حيث يقول: ارتبط الخير باسم زايد، ففي أي بقعة من العالم عندما يذكر اسم زايد يذكر معه الخير والكرم والإنسانية ومساعداته التنموية والإغاثية ووقفاته النبيلة مع العديد من الشعوب في أزماتها، ففي أصقاع الأرض تجد مسجداً أو مستشفى أو مدينة سكنية أطلق عليها اسمه، وهو ما يشكل مفخرة ليس فقط للإماراتيين، وإنما لكل الشعوب العربية والمسلمة.

تعليقات

تعليقات