مستشار القائد المؤسس لأكثر من 3 عقود

علي الهاشمي: سيرة زايد إرث وطني ونستلهم منها ملامح هويتنا

العظماء لا يرحلون لأنهم يتركون من طيب ذكرهم ما يبقى خالداً أبد الدهر، وتتناقل الأجيال سيرتهم غضّة حيّة كما لو أنهم يعايشونها لحظة بلحظة..

والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، كان قامة إنسانية باسقة، يفوح عطره على كل من عاصره، فأصبحت يومياته معهم كنزاً ثميناً يتناقلونه بين أبنائهم وأحفادهم ميراثاً عزيزاً يستقون منه ما يهتدون به في الحياة..

هذه صفحة يومية لأناس عاصروا الشيخ زايد بن سلطان يروون أحاديث الفكر والقلب والوجدان ممزوجة بعبق المحبة الغامر.

 

دعا سماحة السيد علي الهاشمي مستشار الشؤون الدينية والثقافية بوزارة شؤون الرئاسة إلى إنشاء أكاديمية تؤرخ وتعلم حكم ومواقف القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتتحدث عن حياته بشكل موسع ولتصبح مزاراً لباني نهضة الدولة، حيث إن سيرته ومواقفه، تعد إرثاً وطنياً يتميز بـ3 سمات رئيسية نستلهم منها ملامح هويتنا الوطنية، وهي إسعاد شعب الإمارات، والحكمة السياسية في التعامل مع الأحداث القومية، والعطاء الجزيل للعالم.

وقال الهاشمي: «حياة الشيخ زايد تستحق أن تدرس في الجامعات والكليات، فهو أكاديمية بحد ذاتها، على الرغم من أنه لم يتخرج من أي جامعة أو كلية، إذ كان أوسع علماً من الذين يتهافتون على اقتناء الشهادات، لكنهم مهما بلغوا من العلم لن يأتوا بما أتى به رحمه الله».

وتناول الهاشمي الذي عمل مستشاراً للراحل الكريم لأكثر من 3 عقود، بعض مآثر زايد المتعددة، حيث كان مُلهماً وبصماته واضحة في شتى مناحي التنمية.

كما اتسمت شخصية زايد بالهيبة والفكر المستنير، مؤكداً أنه على الرغم من مرور هذه السنوات على رحيله إلا أننا مازلنا نتذكر خصاله وسيرته لأنه كان حريصاً على إسعاد شعبه من مواطنين ومقيمين. ودعا الهاشمي إلى استثمار «عام زايد» في حفظ هذا الإرث الوطني.

قائد ملهم

وأشار الهاشمي إلى أن زايد كان قائداً ملهماً راوده حلم الوحدة طوال الوقت وتمنى قيام دولة موحدة تضم كل منطقة الخليج، وظل يعمل ويتواصل مع قادة المنطقة إلى أن تحقق الحلم بقيام اتحاد الإمارات المتميز، والذي رغم حداثة عهده استطاع الاستمرار والتطور ليشكل إضافة ريادية وحضارية لدول العالم الفاعلة بفضل حكمة زايد وإخوانه حكام الإمارات.

وقال الهاشمي إن الشيخ زايد، رحمه الله، وضع خطة محكمة لإعمار إمارة أبوظبي بحيث يسير خيرها على جميع الإمارات، فبدأ بالتشجير وغرس النخيل وتأسيس البنية التحتية والسكن الحضري للمواطنين، وذهب بالبناء والإعمار إلى المناطق النائية بحيث تتسع رقعة البناء وحتى لا يهجر المواطنون أماكنهم حفاظاً على الوحدة والقبائل التي عاشت تحافظ على هذه البقاع الطيبة.

وأكد أن الشيخ زايد كان يسابق الزمن ويضرب المثل تلو الآخر، الأمر الذي أثرى التنمية البشرية وأصبح المواطن الإماراتي بفضل رؤيته مشاركاً في التنمية الاجتماعية والسياسية والأمنية، مشيراً إلى أن الشيخ زايد عند قيام الاتحاد أمر بتجهيز حافلات تأتي بالمواطنين في سن المراحل الدراسية من كافة إمارات الدولة والقرى البعيدة، ووفر لهم كافة احتياجاتهم لإتاحة الفرصة لهم في التعليم.

مواقف تاريخية

وأوضح أن مواقف الشيخ زايد غير مسبوقة وتتسم بالشجاعة والفطنة وتدعو إلى الوحدة، فلم يسبقه أحد في زمنه في مثل هذه المواقف، ومن المواقف التاريخية قطع موارد البترول عن الدول التي شاركت في الهجوم على مصر ثم فتح خزينة الدولة للقيادة المصرية لكي تواجه العدوان الواقع عليها في عصر محمد أنور السادات، فأول من بادر بهذا الموقف الشجاع هو الشيخ زايد، رحمه الله، وأيضاً موقفه في مؤتمر بغداد حينما رأى أن هناك إجماعاً على قطع العلاقات مع مصر في عهد محمد أنور السادات، حيث بادر المجتمعين في ذاك المؤتمر بأنه لا يوافق على قطع العلاقة مع مصر وأبدى رأيه بأن يبعث المؤتمر للسادات من يحاوره فيما اخطته من صحيفة الموافقة بزيارة الكيان الصهيوني، ولكن المجتمعين لم يوافقوا.

وأكد أنه لو كتب مجلداً في المغفور له الشيخ زايد لن يكفيه مواقفه فقط، فكان يتمتع بمكارم الأخلاق والنبل والعفو والشجاعة والسخاء، ولديه قول مشهور أجاب به عن سؤال صحفي حول أنه رئيس لدولة 85% من سكانها وافدون، قائلاً: إن الرزق رزق الله والمال مال الله، والأرض أرض الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، ومن توكل على الله أعطاه الله، ومن «يبينا» حياه الله.

وبين أن الشيخ زايد كان يحب العفو ويكره الحقد ويدعو الناس إلى أن يكونوا صادقين ومتحابين ومتوادين، ويؤكد على أن الشريعة الإسلامية الغراء شريعة هداية وعدل وتسامح ومحبة ويسر، وكان محباً للقرآن الكريم، ومن أشهر الآيات التي كان يرددها قول الله تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰوَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا - إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ - إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

جهود زراعية

وعن جهود الشيخ زايد في الزراعة، قال الهاشمي: «كانت الشكوك كبيرة حول إمكانية نجاح التشجير، وكانوا يرونه سراباً أو مجرد رغبة لزايد، لن تتعدى الحلم الذي لا يتحقق، ولم تفلح جهود كبار المهندسين الذين استقدمهم لاستشارتهم في هذا الشأن، وكل ما خلصوا إليه كان محبطاً، إذ قدموا تقارير كثيرة كلها تلتقي عند رأي واحد، وهو أن التربة غير مجدية للزراعة، وعليه إن أراد زراعتها فليس أمامه سوى وضع طبقة إسفلت في المناطق المراد زراعتها، تليها طبقة كي ينجح في مسعاه، عدا ذلك فليس سوى التخلي عن حلم الزراعة والتشجير، وآخرون اختصروا الطريق، ونصحوه ألا يهدر ماله، لأن زراعة الأرض شبه مستحيلة».

وأضاف: «لكن إرادته القوية وعزيمته الصلبة كانتا أقوى من تلك الآراء، وأشد من تلك التقارير، فحدد هدفه، ورسم خطته في العمل، واعتمد على خبرته الواسعة بالأرض والماء، وقبل كل شيء إيمانه العميق بأن الله لن يتخلى عنه وسيعينه في ما فشل فيه الخبراء، وبعد نحو ست سنوات أرسل في طلب أولئك الخبراء الذين لم يسمع منهم سوى كلمات الإحباط والتذمر، فاستقبلهم وأكرمهم وقدم لهم واجب الضيافة، ثم أمر باصطحابهم في جولة خاطفة على شوارع الإمارة وأراضيها».

وتابع: «بعد ذلك سألهم الشيخ زايد، رحمه الله، عما رصدوه خلال الجولة، فأجابوه أنهم أعدوا تقارير العجز الماضية بناءً على ما تعلموه، وهذا الإنجاز الذي تحقق يصل إلى حد المعجزة، متسائلين عما فعله لإحياء الأرض على هذا النحو». فلقد ظل زايد، رحمه، الله متشبثاً بالأمل، وإن كان ضئيلاً، فمن كان يتوقع أنه سيرى يوماً هذه الرقعة الخضراء المنتشرة على مد البصر، فأكثر المتفائلين لم يكن يظن ذلك.

يقول الهاشمي: أذكر أنه في عام 1973 كنت قاضياً، وأذهب إلى مدينة العين كلما سافر قاضيها لقضاء إجازته لأنوب عنه، وفي الطريق من أبوظبي إلى العين لا تكاد العين تقع على غصن أخضر وسط رمال كثيفة تطل منها نخلتان بالعدد، في منطقة المضيف، ومن يرى هذا الطريق الآن، يعي ما صنعه زايد، وما المعجزة التي تحققت على يديه، حيث أصبحت بعض الأماكن تكافح التشجير وهذا جزء بسيط، فالشيخ زايد كان يمشي على الأرض تنبت أشجاراً وخضاراً.

دعاء

توسل الهاشمي إلى الله تعالى بأن يمتع الشيخ زايد بالفردوس الأعلى والجنان وأن يجعله في مقعد صدق، وأن يوفق صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، البطانة الصالحة وأن يرزقهم التوفيق والسداد إلى ما يحبه الله.

تعليقات

تعليقات