استقبلت أسرة المواطن جاسم فايز مدير مدرسة حاتم الطائي للتعليم الأساسي والثانوي في أم القيوين شهر رمضان بالبشر والترحاب، شأنها في ذلك شأن كل الأسر الإماراتية، لكن جاسم غير مسرور مما آلت إليه العلاقات الاجتماعية التي بدأت تندثر بسبب وسائل التواصل الحديثة التي جعلت أبناء الأسرة يعيشون غربة داخل منازلهم، كما أن «المسجات» أصبحت بديلاً عن الزيارات للتهنئة بالشهر الفضيل.
ورغم ذلك فإن لرمضان طقوساً خاصة ومذاقاً خاصاً عند العائلة، حيث تبدأ الأسرة بالتجهيز لكثير من الأمور في ذلك الشهر، لعل أبرزها تجهيز مؤونة رمضان من طعام، ومشرب وأوان مطبخية جديدة، إضافة إلى تعديلات في البيت، وغرفة المعيشة؛ استعداداً لهذا الشهر الكريم الذي يتبعه عيد الفطر المبارك، كما تنظم الأسرة مسابقات دينية منذ 20 عاماً يدور فلكها حول القرآن الكريم والفقه وعلوم الحديث.
وعندما حل شهر رمضان المبارك تسابقت عائلته الممتدة في «مير رمضان»، تلك العادة الرمضانية الإماراتية والتي يتم فيها تحضير وتقديم هدايا للأهالي والأصدقاء لصلة الرحم في الشهر الفضيل، إضافة إلى توزيع وجبات الإفطار والمساعدات على الفقراء والمحتاجين.
وتقضي عائلة جاسم فايز فترتها الصباحية في أعمال مختلفة، مثل تحضير وجبة الفطور، وتلاوة القرآن الكريم، والمحافظة على أداء الصلوات جماعة في المسجد لحين وقت الفطور، حيث تتجهز السفرة المكونة من أشهى أنواع الأطعمة، وفي إفطار رمضان يفضل أفراد الأسرة أن تتنوع السفرة كل يوم دون التفريط في حق الجيران.
والذي يتم توزيعه قبل موعد أذان المغرب، ولعل أبرز ما يميز المائدة عندهم في إفطار رمضان الهريس والثريد والفريد والبلاليط واللقيمات والتمر والزبادي، كما تقضي الأسرة عصر رمضان في قراءة القرآن الكريم وتلاوته وتدارسه، إضافة إلى تنظيم المسابقات الدينية والتي اعتادتها منذ 20 عاماً وما زالت مستمرة، وهي عبارة عن أسئلة متنوعة ومعلومات عامة يمنح الفائزون فيها من أفراد الأسرة جوائز نقدية وعينية – خاصة –، وللذين يحفظون أجزاء أكثر نصيب كبير من الجوائز النقدية.
وتنظم أسرة المواطن جاسم فايز برامج رمضانية، وجلسات عائلية، ومسابقات ثقافية وأخرى ترويحية يشارك فيها جميع أطفال الأسرة، وهي عبارة عن أسئلة يدور فلكها حول القرآن الكريم والفقه والحديث والمعارك الإسلامية التي خاضها الصحابة رضوان الله عليهم.
إضافة إلى علوم الحديث وبعض المعلومات الخاصة بشهر رمضان، والتي أبرزها المفطرات وكيفية الحفاظ على الصيام حتى يتقبله الله سبحانه وتعالى، والأسرة تؤمن بأن تلك البرامج والمسابقات الدينية والتي توارثتها منذ 20 عاماً تعود بالنفع والفائدة على أفراد الأسرة، خاصة الأطفال منهم، لأنها ترسخ فيهم حب الله ورسوله الكريم، كما تنمي معلوماتهم وتزيد من ذخيرتهم اللغوية وتوسع مداركهم، كما تعرفهم بالتراث الإسلامي في العصور الماضية.
ورب الأسرة - دائما ـ ما يذكر الأطفال بعودتهم إلى الله والتوبة والإنابة إليه، لأن شهر رمضان يعد فرصة طيبة لجني الحسنات، إضافة إلى تذكيرهم بعدم مشاهدة المسلسلات والبرامج غير الهادفة والتي تضيع أوقاتهم، كما ينصحهم بقضاء أوقاتهم في حفظ وتلاوة القرآن الكريم، فالوقت عند الأسرة من ذهب، فما ذهب منه لن يعود إلى قيام الساعة.
طقوس ما بعد الإفطار
تجتمع عائلة جاسم فايز في غرفة المعيشة، وتتناول (حلو رمضان)، وهو يختلف حسب رغبة الأسرة في وقت تناوله، ومنها الحلويات الإماراتية المعروفة، إضافة إلى الحلويات الشرقية كالقطائف والكنافة، ثم يتوجه أفراد الأسرة بعد الانتهاء من الفطور لأداء صلاة المغرب، والبعض يقوم بالإفطار على التمر واللبن، ويذهب لأداء صلاة المغرب جماعة ثم يعاود لإكمال فطوره، ثم يخرجون جماعة لأداء صلاة التراويح، وبعد الانتهاء من الصلاة تجتمع العائلة في المنزل، ومن ثم تبدأ الزيارات للأهالي والأصدقاء، إضافة إلى نصب الخيم الرمضانية..
والتي يتناول فيها كبير العائلة أحاديث شيقة تتناول حياة الآباء في الماضي، إضافة إلى سرد القصص والمغامرات البحرية التي مروا بها، كما يمارس أفراد الأسرة ألعاباً رياضية مختلفة بعد أداء صلاة التراويح، أبرزها ممارسة لعبة كرة الطائرة، وذلك بعد إعداد الملعب منذ وقت مبكر.
عادات وتقاليد
وأسرة جاسم لها عادات وتقاليد توارثوها من الأجداد منذ فترة طويلة يعملون بها خلال شهر رمضان، أبرزها التزاور والتشاور حول أمور العائلة الممتدة، حيث كانت العلاقات الاجتماعية قوية ولكن بدأت تندثر بسبب وسائل التواصل الحديثة، والتي جعلت أبناء الأسرة الواحدة يعيشون في غربة داخل منازلهم، حيث «المسجات» أصبحت بديلاً عن الزيارات للتهنئة بالشهر الفضيل.
وقضت على التواصل الذي كان سائداً من قبل، فتجد حالياً معظم أبناء الأسر يتسمرون أمام أجهزة التلفاز لمشاهدة المسلسلات عقب صلاة المغرب مباشرة، أو متابعة برامج الكاميرا الخفية والتي تؤثر فيهم تأثيراً سالباً، وفي أول أيام رمضان، تجتمع الأسرة في بيت العائلة لتناول الإفطار.
وجبة السحور
وترى أسرة جاسم فايز أن وجبة السحور أساسية ولا بد من تناولها لما لها من أهمية وما لها من أجر عظيم للمسلم، وخصوصاً إذا سبقت بتلاوة القرآن والقيام، فيكون وقتها قبل موعد أذان الفجر، فتجتمع العائلة.
وتتناول هذه الوجبة حتى تستطيع إكمال صيامها في اليوم التالي، ثم يخرج أفراد الأسرة لأداء صلاة الفجر جماعة في المساجد القريبة المنتشرة في الأحياء، فإذا جاءت العشر الأواخر تستعد النساء لترتيب وتنظيف البيت وعمل بعض الحلويات والأكلات الخاصة لاستقبال عيد الفطر المبارك.
زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.
كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا «مع الناس». أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول.
في رمضان كنا «مع الناس» فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا «مع الناس»، نترككم مع واحدة منها.
جاسم فايز
يسكن منطقة الرملة في أم القيوين. درس المرحلة الابتدائية في مدرسة أحمد بن راشد في أم القيوين، ثم الإعدادية بمدرسة الضياء، والثانوية بمدرسة الأمير، ودرس الجغرافيا بجامعة بيروت وتخرج منها في العام 2000، ثم التحق بوزارة التربية والتعليم في العام 2002. ويعمل حالياً مدير مدرسة حاتم الطائي للتعليم الأساسي والثانوي في أم القيوين.




