تزامن حلول شهر رمضان المبارك مع موسم الاجازات والسفر لقضاء العطلة الصيفية. لكن الصوم داخل الوطن له نكهة ومتعة تختلف عن الصوم خارجه وذلك لتميزه بالأجواء الروحانية التي تشعر الصائم بعظمة هذا الشهر وقدسيته، وفي كونه شهر المحبة والرحمة والغفران. فهناك من تجبرهم ظروفهم على الصوم خارج الدولة كالدبلوماسيين والمرضى أو المبتعثين إلى الخارج أو الذين اضطرتهم ظروف عملهم التواجد خارجا.
إلاّ أن البعض والذين تزايدت أعدادهم خلال الــ 3 سنوات الماضية، يجد في رمضان فرصة للسفر خارج الإمارات كنوع من السياحة حتى إن تزامنت مع شهر رمضان، وذلك لاستثمار الإجازة وبالأخص وأنها تتصادف مع إجازة المدارس والصيف ويعقبه مباشرة حلول عيد الفطر المبارك، كما وأنهم اعتادوا السفر لقضاء إجازة الصيف في بلدان أخرى، ما يضطرهم الأمر إلى الصوم في بلد السياحة.
وجاءت وجهات النظر متفاوتة في النظر إلى خصوصية الشهر الفضيل، فيما برره المؤيدون إلى أن رمضان هو نفسه في أي مكان أو زمان، فروحانيته موجودة في القلب وغير محددة في موقع جغرافي معين، ولا يوجد اختلاف في الصيام طالما النوايا حسنة، وكذلك جميع أفراد الأسرة الواحدة أو الأصدقاء الذين يكونون متواجدين مع بعضهم، إلى جانب تمضيته مع أسر مسلمة أخرى. فضلا عن رغبتهم في تغيير أنماط الحياة في رمضان في بلد آخر، وإن فضل الأغلب أن تكون في البلدان العربية والإسلامية أو دول شرق آسيا.
في حين انتقد كثيرون السفر للخارج للسياحة والتنزه دون الضرورة في رمضان، وأرجعوا ذلك إلى أنه يفقدهم متعة الخصوصية التي تميزه في بلدهم الأم عن بقية البلدان، كما أن لرمضان خصوصيته التي تستوجب الحذر من كل الأمور التي قد تفسد حصانة الصيام.
»البيان« التقت مع عدد من الناس لتتعرف عن قرب عن الانطباعات والمشاعر حول السفر لخارج الدولة في رمضان:
المواطنة عزيزة الحمادي أكدت أنها تفضل الروحانية التي تحيط شهر الصيام بالكثير من الخصوصية في الدولة، فهو يضمن لها قضاء رمضان في المحيط الذي يشعرها بالقرب من الأجواء الأسرية، وإقامة الطقوس الدينية من خلال قراءة القرآن وسماع صوت المساجد في إقامتها للتراويح وقيام الليل، وتمضيته في زيارة الأقارب، وكثرة أجواء الخير، وحضور الندوات والمحاضرات، والتعاطي مع كل ما يشعر الشخص بالسكينة والراحة والأمان في موطنه قريبا من أحبابه وأهله.
السفر للضرورة
كما لا يؤيد المواطن حمدان العفاد السفر السياحي للخارج في شهر رمضان، وإن أتيحت له الفرصة في خوض تجربة جديدة، إلا أنه لا يمكن أن يضاهي هذه الفرصة بتجربة روحية وإيمانية ارتبطت به منذ الصغر في قضائها في مدينته وبين أهله وجيرانه، وحين يقرر السفر بعيداً عن تلك الأجواء المعتادة مع أسرته؛ فإنه لن يختارها إلا مضطرا لعلاج أو ما شابه، أو لتأدية العمرة بين رحاب بيت الله هو أقصى ما يتمناه.
نقد المجتمع
وأكدت فاطمة حميد الشرع من أهالي الفجيرة في الوقت ذاته، على تفهمها لنقد المجتمع الحاد لمن سافر للخارج في هذا الشهر الفضيل للسياحة والترفيه. على اعتبار أن الصيام لا يعوقه شيء أبدا طالما أن النوايا ترغب في فعل العبادات والطاعات الدينية..
إلا أن المحظورات موجودة في مقابلها ما قد تجعل الشخص ينزلق في هذا الجانب ويؤثر على عمله الصالح. ففي الصوم داخل الوطن قد تجعل له الفرصة للصيام بشكل أفضل رغم وجود محظورات ومكاره غير مقبولة كالبرامج التلفزيونية وغيرها، إلا أن المجتمع في أغلبه يخوض هذه التجربة الجليلة ..
ولا يمكن لأحد المجاهرة أو التعمد في إظهار عكس ذلك، وهذا يأتي بالعكس من الدول وإن كانت إسلامية أو ذات صبغة إسلامية، كونه قد يعيش أو يقيم فيها جنسيات من أديان متنوعة، ما قد يؤثر على ماهية الصيام في تجنب المحرمات والمحظورات.
قضاء الاجازة
أما عبد الله سبيعان الطنيجي من مواطني دبا الحصن: فيرى أن هناك توجهاً كبيراً من قبل بعض الإماراتيين للسفر للخارج في رمضان لقضاء الإجازة وخصوصا في الثلاث السنوات الماضية، سواء كانوا شباباً في مجموعات، أو عائلات، حيث يرى أن السفر في رمضان للخارج لا مبرر له، خاصة أنه شهر صيام وعبادة وتقرب من الله، وليس شهراً للسياحة والترفيه أو التسلية..
لهذا من الطبيعي والأفضل قضاء هذا الشهر في الوطن، طالما انه لا توجد هناك حاجة ملحة للسفر للخارج كالدراسة أو العلاج، لاسيما وأن هناك الكثير من المواطنين الذين أجبرتهم ظروفهم العملية على الصوم بعيداً عن أهلهم، ومع هذا هم في حنين وشوق دائمين لرمضان في أرض الوطن الذي يميزه كثير من الأشياء أهمها الأجواء الروحانية والعائلية.
تجارب ناجحة
المواطن محمد النقبي اوضح نجاح تجربته في الصيام خارج الدولة لأول مرة أثناء سفره للسياحة العام الماضي، مؤكدا: »إنها تجربة فريدة من نوعها، تعرفت بها على ثقافات وعادات تركيا وكيفية استعدادهم لشهر رمضان، ولم يختلف كثيرا عن صيامنا في الدولة، فالأجواء الرمضانية في المطاعم تتضح بجلاء، حتى في مطاعم الوجبات السريعة يبهرني مظهر الأتراك المسلمين في جلوسهم إبان وجبة الإفطار قبل الأذان«.
لافتا إلى أن صوت تلاوة القرآن الكريم تصدح في مختلف أرجاء أسطنبول، وذلك قبيل أذاني المغرب والفجر، ويتوزع الباعة في بازارات متعددة التصميم والجودة والأسعار أيضا، كما يغلب الطابع الروحاني على غالبية المطاعم التي تتنافس في جذب الصائمين من السكان المحليين أو المقيمين أو السياح، الذين غادر غالبيتهم قبيل ابتداء شهر رمضان، فيما بقي آخرون والذين ناسبتهم الأجواء في المكوث وقضاء أيام من الشهر الكريم ممزوجة بطعم الإجازة الدينية.
سياحة دينية
من جانبها، أوضحت لمياء عبدالله: بأنها لا ترى أي إشكالية في السفر للخارج حتى إن كانت للسياحة في رمضان، فلا تزال السياحة الدينية مقبولة في أي وقت وبالتحديد في الشهر الفضيل، فمن الجميل تعريف الدول التي نقوم بزيارتها بأننا نستطيع في رمضان قضاء أوقاتنا في التعرف على ثقافات وعادات وتقاليد الدول، لاسيما الدول الإسلامية والعربية. وإن رمضان ليس شهرا للكسل والنوم بل إنه كبقية أشهر العام بل يزيد فيه العمل والنشاط وبالأخص في تأدية العبادات والطاعات التي لا تكثر في أي شهر آخر.
الصيام في الغربة
وفي السياق ذاته، أكدت سارة حميد من مدينة دبا بأنها سافرت العام الماضي مع عائلتها إلى ماليزيا في إجازتهم الصيفية، وقد كانت لدى جميع العائلة رغبة في خوض تجربة الصيام هناك، حيث وجدوا أنه لا يوجد إحساس بالغربة هناك من الناحية الدينية، وتطبيق شعائر الإسلام باعتبار أن المجتمع هناك إسلامي..
ويتواجد فيه عدد كبير من العرب والمسلمين للسياحة. مشيرة إلى أنها أفضل الفترات التي صامتها ولا تبالغ في ذلك لتمكنها من التفرغ للعبادة، حيث تؤكد بأن وقتها لا يذهب في تحضير وجبة الإفطار المعتادة أو الحديث على الهاتف أو متابعة المسلسلات الرمضانية، وتلبية العزائم والمجاملات، فالأجواء الروحانية ليست مقرونة بمكان وزمان معين؛ فأينما سافرنا نستطيع الصوم والصلاة وقراءة القرآن.
رمضان والصيف
وانطلاقا من تجربتها للصيام للسنة الثانية على التوالي في الهند، تقول فوزية أحمد: » نفتقد إلى الأكل، رغم وجود المطاعم العربية، وصيامي في خارج الدولة يرجع لتزامن شهر رمضان مع عطلتي الصيفية ما شجعني على السفر، لاسيما وأن ما بعد رمضان يعتبر فترة عمل رسمية للجميع«.
لافته إلى أنها لا تزال تفضل أن تقضي الصيام في الهند والتي تعتبر وجهتها السياحية سنويا، وذلك طالما الإجازة تتصادف مع الشهر الفضيل. مؤكدة على أنه عند الحديث عن روحانية الشهر الفضيل يجب أن نلغي الحدود الجغرافية، فمن يريد أن يصلي ويصوم لن يمنعه أحد أو حتى يصعب عليه ذلك.
هروب وافتقاد
وأكد المواطن سالم الخديم أن تجربته في السفر أول يوم عيد الفطر المبارك لم تنجح كثيرا، فقد افتقد الأجواء الذي تشعره بأول يوم العيد ابتداءً بصلاة العيد انتهاءً باستقبال الأهل والأقارب حتى الساعات المتأخرة من اليوم، متسائلا كيف سيكون الوضع إذاً في حال سافرت في رمضان؟ دون أن ينكر أنه قد يقضي في إحدى السنوات رمضان في الخارج سواء للسياحة أو في أي مناسبة كانت.
وتشير المواطنة خولة راشد سليمان إلى أن المسافرين في رمضان، دون أن تعمم على الجميع، يبحثون عن سبب شرعي للإفطار، والهروب من تحمل الصوم في درجات الحرارة العالية، بالرغم من أن الصوم خارج الدولة يكون أطول في عدد ساعاته من داخلها، لافتة إلى أنها رغم عدم ممانعتها صيام رمضان خارج الوطن، إلا أنها تفضل قضاء رمضان في الدولة بين أهلها وأصدقائها.
ارتفاع الحجوزات
تمكن عدد من الدول أن تصبح الوجهة المفضلة بين السائحين والزائرين خلال شهر رمضان المبارك لتصادفه مع الإجازة الصيفية، لما تنفرد به من خصوصية وأمان وأجواء احتفالية رمضانية طوال الشهر:» كصلاة التراويح وقيام الليل، وتوفير طعام الإفطار في أماكن متفرقة وتوافر المنتجعات الراقية والأسواق المتنقلة وتنظيم العديد من الفعاليات الثقافية والتراثية« ...
- كما أكده - عدد من مكاتب السفر والسياحة بالمنطقة الشرقية، مثل: سنغافورة واندونيسيا وماليزيا وكذلك تركيا والمملكة المتحدة وألمانيا، ما سيؤدي - على حد وصفهم - إلى ارتفاع نسبة السياحة في رمضان إلى 50 % مقارنة بالعام الماضي. كما تحتل الحجوزات لأداء العمرة نصيب الأسد بنسبة تصل إلى أكثر من 70 % سواء قبل رمضان بأيام أو أثناء الشهر الفضيل.


