زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.

كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار.

نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا «مع الناس». أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا «مع الناس» فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل.

صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا «مع الناس»، نترككم مع واحدة منها.

يستقبل عمر الشامي مدير علاقات عامة في شركة عقارية، شهر رمضان، باعتباره «الضيف الأغلى» في السنة، ومعه يستعيد ذكريات زمن مضى، يكتنزها العقل، ويتوق إليها كلما شعر بوجع الحنين إلى ماضٍ ذهب دون رجعة.

ولأنه شهر الخير واليمن والبركة، فإن لرمضان مكانة خاصة في فكر ووجدان الشامي الذي يعيش في الإمارات منذ قرابة 23 عاماً قضاها متنقلاً في عمله في أكثر من مكان.

ذكريات غالية كما يقول لنا الشامي، يحتضنها رمضان من أعوام ماضية ما يجعل استعادتها من زمن بعيد، غاية في ذاتها تفرحه شخصياً، ويقصها على ابنيه وسيم ونور، بعضها مرتبط بالواقع زماناً ومكاناً، وآخر يقبع في ذاكرته فقط.

رحيل الأم

أكثر ما يؤلم الشامي أن رمضان يطل هذا العام، وقد غيب الموت أقرب الناس إلى قلبه ووجدانه؛ أمه، التي رحلت مخلفة وجع الفراق، ولوعته ماثلة في الصدر، لا يمكن أن يبرأ منها، فهي جزأ لا يتجزأ من ذكرياته، ومنها ذكريات الشهر الفضيل، بل محور مهم فيها.

رمضان هو صورة الأهل حين كنا نعتلي أسطح المنازل، ونجتمع مع أبناء الحي في زاوية منزلنا القديم، في حي سيدي جابر في الإسكندرية مع غروب الشمس، لنسمع المدفع وصوت أذان المغرب يصدح فوق المنابر، فنهرع راكضين متدافعين إلى بيوتنا، لنتحلق حول مائدة الإفطار، فكل مائدة من تلك الموائد ــ على بساطتها ــ كانت بمثابة الوليمة بالنسبة لنا، وكنا وأطفال الشارع نجتمع بعد المغرب للمنافسة، وقد كان لرمضان آنذاك طعم آخر مختلف عما نشعر به اليوم.

كنا نرى الزينة في معظم شوارع مصر، وفوانيس رمضان تملأ الشوارع، وواجهات البيوت والمحال، فجمال وروحانية شهر رمضان تستكمل بوجود الفانوس الرمضاني، والبيوت والأسواق تتزين بالزينة الرمضانية كل عام، فوانيس ذات أحجام كبيرة تحتل موقعاً على مداخل الشوارع وفي الأحياء، وهو ما يخلق أجواء رمضانية تمتد إلى حالة من الإيمان والولاء لقدسية الشهر الفضيل.

صلة الرحم

وتنفرج أسارير عمر فرحاً بقدوم الشهر الكريم، لما يحمل في طياته من معانٍ ترتبط فيها العبادات بصلة الرحم، فهو الشهر الذي نزل القرآن فيه، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهو بالمجمل شهر يمنحنا فرصة للتصالح مع الذات ومع الآخرين.

ورغم تلك الأجواء الجميلة، أضاف الشامي أن العادات والتقاليد الرمضانية اعتراها تغيير كبير سببه الظروف الاجتماعية الحالية، فأصبحت العائلات تكتفي بتمضية السهرات الرمضانية، كل في منزله، والغالبية تفضل مشاهدة البرامج التلفزيونية المنوّعة التي تعرض على الفضائيات الكثيرة في هذا الشهر الفضيل.

سحر رمضان

وقال: لايزال لرمضان سحره الخاص، فأنا أحاول دوماً أن أكرس لدى أبنائي، كيفية استثمار الشهر الفضيل، وأتحدث لهم عن شخصية «المسحراتي» التي عايشتها في طفولتي، وأهمية الصلاة في المسجد، إذ كنا نتسابق إلى الجامع فمن يصل قبل الآخر؟ وعند وصولنا نبدأ قراءة القرآن حتى لحظة مدفع الإفطار، حيث كنا ننتظر أذان المغرب بفارغ الصبر، لكي نفطر ونخرج مرة أخرى إلى صلاة التراويح، وهو ما أفعله الآن مع أبنائي، إذ نصلي المغرب في المسجد وكذلك التراويح.

ويحن عمر الشامي إلى الماضي ويشتاق إلى تلك الذكريات التي يصفها بـ«الأيام التي لا تعوض»، فقد كانت الحياة بسيطة وحقيقية، وهو دائماً يمني النفس برؤية وجوه أصدقاء وجيران، بعضهم ابيضت رؤوسهم شيباً، والبعض الآخر غيبه الموت.

مع الأبناء

ويمضي عمر في رمضان وقته بين العمل الصباحي، والعودة إلى المنزل ليقضي بين أفراد أسرته أجمل الأوقات، ويلقي عن كاهله تعب العمل، فيعمدون معاً إلى ختم القرآن، حيث يجتمعون في إحدى زوايا المنزل، يتلون في كل يوم بعد صلاة العصر أو قبيل المغرب، جزءاً من القرآن، وهكذا يختمون القرآن في الشهر، في مشهد إيماني عميق.

ولا يحب عمر التباهي والتنافس في الولائم، ويحرص على أن يسهم في إفطار عدد من الفقراء، فمن الضروري أن نرعى حق الفقراء والمساكين، حتى لا يتصور هؤلاء أننا مبتعدون عنهم.

موسم الخيرات

ويرى أن الله تبارك وتعالى جعل شهر رمضان المبارك، موسماً للخيرات والإقبال على الطاعات، والتزود من الحسنات، من خلال صلاة التراويح، وقراءة القران، وإطعام الفقراء، وزكاة المال أو صلة الأرحام.

وفي شهر رمضان المبارك ميزة خصوصاً لصلة الأرحام، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أهمية صلة الأرحام مع التأكيد أن ذلك ليس شرطاً وواجباً في شهر رمضان المبارك فقط، إنما في رمضان أجره مضاعف. ويأمل الشامي أن يدرك المسلون جميعاً، فحوى الرسالة الربانية يوم فرض علينا الصيام.

يخصص عمر جزءاً من وقته لتبادل الزيارات مع أصدقائه في الإمارات، الذين يجتمعون كل أسبوع عند أحدهم، ويقضون يوماً جميلاً بعد الإفطار يمتد حتى السحور، مضيفاً: ليس أجمل من الأيام الأواخر التي نكون فيها منهمكين في ختم كتاب الله، وعلى هيئة استعداد لاستقبال الفرحة، فرحة عيد الفطر.

الخاسر في رمضان

الخاسر كما يحسب عمر هو من يتعامل مع رمضان على أنه شهر الكسل والسهر، ومتابعة المسلسلات وقضاء الوقت في الخيم الرمضانية، مضيفاً أن هذه الصورة المغلوطة التي تكرست خلال السنوات الماضية، ينبغي أن تزال من الأذهان، وهذا العبء يقع على كل ولي أمر، فهو مسؤول أمام الله بأن يربي أبناءه، بالطريقة الصحيحة، وأن يجعلهم يدركون أن شهر رمضان هو شهر العبادات، وليس الولائم والسهر، وهو شهر نستغله في التقرب إلى الله، بعد أن توصد أبواب الشياطين، وتفتح أبواب الملائكة، كما يشدد الشامي على أهمية صلة الرحم، ورغم كونه بعيداً عن أقاربه وعائلته، إلا أنه لا يتوانى عن تأكيد أهمية التواصل مع الأهل، لأبنائه وعقوبة من لا يصل رحمه.

ملامح عربية جامعة

يحرص عمر الشامي على ممارسة طقوس تربى عليها منذ الصغر، حيث الحلويات الخاصة بعيد الفطر، والزينة التي تُنجز لاستقبال العيد، والخروج لشراء الملابس لجميع أفراد الأسرة، والعيدية التي يقدمها لكل فرد من أسرته بمن فيها زوجته.

ويضيف أن العادات والتقاليد الرمضانية في وطنه مصر، لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الدول العربية والإسلامية، إذ تتشابه هذه العادات في بلدان كثيرة، مع خصوصية لكل دولة وفق موروثها الخاص، وفي هذا السياق ينتظر المصريون كغيرهم، قدوم الشهر الفضيل بفارغ الصبر، ويستقبلونه بالتكبير والتهليل، وتبادل التهاني، وتنشط خلاله الزيارات، وتبادل الأطعمة، ويتسابق الناس إلى المساجد للصلاة والاعتكاف، وكل هذه ملامح عربية جامعة.