زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.
كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا »مع الناس«. أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا »مع الناس« فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا »مع الناس«، نترككم مع واحدة منها.
لا تزال العديد من الأسر الإماراتية تحتفظ بالعادات القديمة وتتمسك بها وتهتم بأن تبرزها في مناسباتها بشكل كبير، ولعادات مشاركة الطعام مع الجيران ومجالس السمر وتبادل الزيارات مع العائلة والأصدقاء حضورها القوي في شهر رمضان الفضيل، في ظل إيقاع الحياة المتسارع وظروف العمل التي تتسبب في اضعاف تلك العادات خلال أشهر السنة العادية .
وأسرة المواطن » أحمد الطنيجي « المكونة من أربعة أولاد ( عبد الله ومحمد وراشد وعلي )، وبنتان ( شما وآمنة ) والزوجة، تعيش الأجواء الرمضانية بسعادة في ظل تنقلهم بين مدينتي أبوظبي ورأس الخيمة حرصاً على لقاء الأهل والأصدقاء والاستمتاع بالأجواء الرمضانية.
ويقول رب الأسرة أحمد الطنيجي: إن رمضان شهر له خصوصية مختلفة، يشعر بها الفرد بشكل تلقائي بمجرد حلول هذه الأيام الفضيلة، بأجوائه الروحانية الدينية وكذلك العائلية والاجتماعية، فهو اعتاد أن يكون مستيقظاً حتى صلاة الفجر، وقبلها يكون منشغلاً بقراءة القرآن والدعاء، وبعد صلاة الظهر يسأل إن كان لدى زوجته أو المنزل عامة أية احتياجات من السوق لشرائها بعد صلاة العصر، وخلال فترة ما بعد صلاة الظهر وقبل الافطار يلتقي أبناءه حيث يتعرف أحوالهم ويتبادل معهم الأحاديث المختلفة.
لقاء الأسواق
ويذكر انه يمضي جزءا من رمضان في أبوظبي والجزء الأكبر في رأس الخيمة في منطقة الرمس حيث أهله، ولهذه المنطقة أجواء رمضانية خاصة، حيث يجد أن الناس تتلاقى في فترة ما بعد العصر في الأسواق ويقضون احتياجات منازلهم، وخاصة سوق السمك حيث تعج هذه الفترة من اليوم بالناس، وحتى من لا يرغب في الشراء يخرج من منزله لإمضاء الوقت ورؤية أصدقائه وجيرانه، فعادة تكون هناك فترة حركة ونشاط في الساعات القليلة التي تسبق أذان المغرب.
رياضة المشي
ويحب الطنيجي الرياضة، ويقول إنه في حال لم يتوجه للتسوق يمارس رياضة المشي بعد العصر بهدف استعادة نشاطه والاستعداد لفترة ما بعد الافطار، حيث يرتبط عادة وزوجته وأولاده بالزيارات، ويشير الى أن أبناءه يميلون أيضا لممارسة رياضة المشي أحيانا او الخروج قبل الافطار للقاء بعض أصدقائه في الحي .
جيل اليوم
ولكنه يرى أن جيل اليوم من الأبناء مختلف، فهم عادة يتفاعلون مع الأجواء الرمضانية في الأيام الأولى من حيث حماسهم لزيارات الأهل أو الجلوس الى الأسرة في أوقات مختلفة، ولكن بعدها يبدؤون في العودة لاهتماماتهم المعتادة في الخروج مع الأصدقاء والسهر ليلا على مشاهدة البرامج أو الانترنت، والنوم مطولا في النهار، لذا فهو يحرص على أن يلتزم أبناؤه قدر المستطاع بطقوس رمضان المعتادة، من حيث الحرص على الصلاة في المسجد وصلاة التراويح وكذلك قراءة القرآن، منوها بأنه يعلن عن مكافأة تشجيعية، ينالها من يختم من أبنائه القرآن مرة أو أكثر.
حق الجار
ويؤكد الطنيجي أن شهر رمضان يحتاج عادة لتكاليف استعداد خاصة به خاصة على مستوى شراء مواد الطعام وأدواته، لكنه لا يرى في ذلك بالنسبة له إسرافا، بل كما قال » أنت في شهر رمضان لا تطبخ لنفسك بل لغيرك أيضا « موضحا، بأن زوجته عادة تعد طعام بهدف التوزيع منه على عدة بيوت من الجيران، ربما خمس أو سبع بيوت يرسلون لها أطباقا من طعامهم..
وهم أيضا يستقبلون أطباقا من طعام جيرانهم، وأن ذلك من الطقوس التي اعتادوا عليها والتي تزيد من التآلف وتفسح المجال ليتذكر كل منهم الآخر ويفكر فيه، وهي من الأشياء التي تسعدهم وتعزز المشاركة الاجتماعية والتواصل وصلة الرحم.
»الثريد« أساس
وحول المائدة الرمضانية يقول الطنيجي إن ابناءه يحبون الأطعمة الشعبية بالإضافة لرغبتهم احيانا في أنواع من الأطعمة المتداولة اليوم، ولكن الطبق الأساسي والأهم لديه على مائدة الافطار هو » الثريد « الذي لا يفطر بدونه اضافة للهريس، فهما طبقان أساسيان في المائدة الإماراتية الرمضانية .
طعام الزوجة
ويذكر هنا أن زوجته هي من تقوم على اعداد الطعام بذاتها، وأنه منذ تزوجها وهي المعنية والمسؤولة عن طعام الأسرة، رغم أن زوجته كانت موظفة حتى وقت قريب، كما أن لديهم خدم بالمنزل، ولكن مهام الخدم قاصرة على أعمال التنظيف والكوي وغيرها، ولا علاقة لهم بإعداد طعام الأسرة، وهذا من الميزات التي تزيد من ترابطهم الأسري .
وقال إنه يحب كثيرا الوقوف في المطبخ ومتابعة زوجته وهي تعد الطعام، رغم أنه لا يمتلك أية خبرة في اعداد الطعام ليساعدها، الا أنه ومن حبه » للسلطة « يمتلك مهارة في اعدادها، ولا يمانع في مساعدة زوجته في هذا الجانب.
إجازة رمضان
وذكر أن رمضان أكثر متعة في السنوات الأخيرة لتزامنه مع اجازة أبنائه واجازته ايضا لأنه يعمل في سلك التربية » أخصائي اجتماعي «، فيكون لديه الوقت الكافي للقاء الأسرة والاستمتاع بأجواء رمضان الدينية والاجتماعية، وهو اعتاد على ختم القرآن ولو مرة في رمضان، وقد نوى هذا العام أن يختمه أكثر من مرة، حيث يحاول عادة تخصيص فترات مختلفة لقراءة القرآن خاصة قبل وبعد الصلاة وفي الليل قبل النوم .
النصح للأبناء
ويحرص الطنيجي على توجيه أبنائه للاستفادة من الشهر الفضيل من حيث الالتزام بالفروض واكثار العبادات، كما يهتم كثيرا بتأكيد أهمية الابتعاد عما يضيع عليهم أجر الصيام، مثل الابتعاد عن المشاكل مع الأصدقاء وكذلك الابتعاد عن اي حديث بلا فائدة، ومصالحة أي شخص بينهم وبينه خصام وأن يبادروا بذلك طاعة لله، ونصحهم بالتقليل من عادة السهر.
الأواخر والعيد
أما عن العشرة الأواخر فيرى الطنيجي أن لها خصوصية لأن ليلة القدر تكون في احدى تلك الأيام الفضيلة التي تتضاعف فيها الحسنات وأعداد من يعتقهم الله من النار، لهذا يحرص وأبناؤه على تكثيف العبادة فيها..
وخاصة قيام الليل وقراءة القرآن والدعاء، ولأهمية استثمار العشرة الأواخر وعدم الانشغال بالإعداد للعيد، يحرص وزوجته على اصطحاب أبنائه للأسواق لشراء احتياجاتهم قبل حلول شهر رمضان حتى لا ينشغلوا بذلك خلال الشهر الفضيل، ولا يدخلوا في زحام الأسواق في الأيام الأواخر في ظل حرص الكثير من الناس على اتمام احتياجات عيد الفطر .
مجلس الشاطئ للسمر والسحور
حول يومياته الاجتماعية يقول إنه عادة يقوم بعدة زيارات لأهله وأهل زوجته وفي بعضها يصطحب معه أبناءه، وبعد انهاء الزيارات، يقوم بلقاء أصدقائه في » مجلس « خاص بهم مقام في » شاليه « على البحر، لأنه يهوى كثيرا البحر ويحب الجلوس عنده دون ملل، وهناك يتبادل وأصدقاؤه الأحاديث والسمر..
ويتابعون بعض المسلسلات الخليجية والقنوات المحلية، وفي كل يوم في المجلس يتولى أحد الأصدقاء مسؤولية السحور، ويفضل الطنيجي أن يكون سحوره من الأشياء الخفيفة كالسلطة أو الفواكه أو بعض » العيش« الأرز والروب، ويرى أن هذا أفضل لينام بشكل مريح، كما يحرص على السحور لأنه من السنة، ويعود بعد الاجتماع اليومي في المجلس الى المنزل ليطمئن على يوميات أبنائه ثم يبدأ قراءة القرآن حتى صلاة الفجر .



