زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.
كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا »مع الناس«. أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا »مع الناس« فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة.
وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا »مع الناس«، نترككم مع واحدة منها.
تعيش فاطمة فتح الله في رمضان تفاصيل مختلفة، فكثرة مسؤوليتها وشغفها بالإشراف على مشروع إفطار صائم الذي تنظمه مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الانسانية، لم يترك لها خيارات ووجهات تقصدها في رمضان، وعلى الرغم من ذلك تجد أن استغلال رمضان في الاجتهاد بالعمل والابتعاد عن رفاهية الحياة يشعر الإنسان بعظمة الشهر ويغرس فيه مبادئ العطاء والإيثار، وهذا ما استشفته منذ سنوات حينما تطوعت في الإشراف على الأسر ومتابعة احتياجاتهم منذ الصباح الباكر وحتى موعد توزيع الوجبات وتسليمها إلى الصائمين.
زيارة الأسر
يبدأ شهر رمضان عند فاطمة قبل موعده بعدة أسابيع، حيث تحرص في هذه الفترة على إكمال التجهيزات والاستعدادات مع صندوق خليفة، وزيارة الأسر الراغبة في التعاون مع الصندوق..
والتأكد من إمكانياتهم وانطباق الشروط عليهم للقيام بذلك، لتبدأ بعد ذلك مهمة التنسيق لاستكمال الاشتراطات التي تضعها المؤسسة لحماية الأسرة من المخاطر وتوفير بيئة آمنة ونظيفة، وذلك بالتعاون مع جهات عديدة منها الدفاع المدني والمؤسسات الأخرى التي تقدم تسهيلاتها لهذه الأسر كإمدادها بالاحتياجات الضرورية وبأسعار مخفضة إلى جانب خدمات أخرى.
استقبلت فاطمة اليوم الأول من رمضان وقد أكملت كافة التجهيزات بعد خروجها جولات عديدة وزيارات متكررة برفقة عدد من المؤسسات للأماكن التي خصصتها الأسر للطبخ في منزلها، وكذلك النظر في المستلزمات والأواني التي يتم فيها طهي هذه الوجبات وأماكن حفظ موادها، ونبهت بعض الأسر عن المخالفات والتجاوزات، ليتسنى في هذه الأيام متابعة سير العملية وفق الخطة التي وضعتها المؤسسة.
كثرة المسؤوليات التي تقوم بها فاطمة في الإشراف على 83 أسرة في دبي ومتابعتها بصورة يومية أو ضمن خطة وضعتها مسبقاً أبعدها عن الكثير من التفاصيل التي كانت تعيشها في رمضان سابقا مثل زيارات صديقاتها وأقاربها والمطبخ.
ولكنها على الرغم من ذلك تمكنت من الحفاظ على العادة الأهم وهي اجتماع الأسرة على الفطور والتي ربما يتخللها في بعض الأحيان مكالمات عديدة تتلقاها من الأسر في حال مواجهتها بعض الصعوبات أو من المشرفين عند تأخر وصول الوجبات أو وجود ملاحظات عليها، كما أنها تحرص كلما حصلت على سعة في وقتها على زيارة أفراد أسرتها وصديقاتها..
كما تستقبل في الإجازة الأسبوعية أقارب زوجها الذي تسعد بتواجدهم وتبدأ في تجهيزات الإفطار لهم فور إنتهائها من زيارة الأسر، وما يعكر مزاجها تلك الزيارات الغير هادفة والدعوات التي يصر عليها بعض الأشخاص طابع الإسراف في إعداد الوجبات وتنوعها، والتي ينتهي بها المشوار في نهاية المطاف إلى سلة المهملات.
العادات الصحيحة
يبدأ اليوم الرمضاني عند فاطمة في الساعة الثامنة صباحاً، حيث تنطلق إلى زيارات ميدانية للأسر التي تقوم بإعداد الوجبات، وتتابع سير العمل ورصد الملاحظات أو الأخطاء التي ترتكبها قلة من الأسر، وعادة ما تبدأ زيارتها بالأسر التي رصدت عليها بعض الملاحظات في جودة طعامها أو تأخر وصوله، ومن ثم الانتقال إلى المنازل الأخرى محاولة في اليوم الواحد زيارة أكبر عدد من الأسر..
وفي بعض الحالات التي تعترض فيها الأسرة على الملاحظات المرصود حولها فإنها لا تتردد في زيارة المنزل مرات عديدة في اليوم الواحد أو ربما تلازم الأسرة منذ بداية تحضيرها لإعداد الوجبات وحتى وصولها إلى نقاط التوزيع..
ودائما ما تحرص فتح الله على توجيه الأسر وحثها على اتخاذ كافة الاحتياطات لسلامة الطعام واتباع العادات الصحيحة في طهيه وتوزيعه والحفاظ عليه، وتوفير الغاز والمستلزمات بكميات تتناسب مع كمية الوجبات لتجنب تأخير وصولها.
بعد انتهاء زيارتها اليومية والتي غالبا ما تكون بعد خروج المركبات إلى نقاط التوزيع، تبدأ فتح الله مهمة جديدة وهي التواصل مع المشرفين في المواقع للتأكد من وصول الوجبات والأعداد في الوقت المناسب، ولا تستصعب زيارة المواقع في بعض الأحيان إن تطلب الأمر ذلك، حتى وإن كان يبعد عن منزلها بضع ساعات، خصوصاً عند ما تتكرر لديها ملاحظات حول موقع ما.
تستجمع فتح الله طاقتها بعد أن تتأكد من أن جميع الوجبات وصلت إلى الصائمين، لتكمل مهمة الإشراف على مطبخ منزلها ومتابعة الفئات المساعدة التي تحضر طعام الإفطار لأفراد أسرتها..
وبعد الإفطار تتسامر الحديث مع زوجها وأبنائها إلى حين موعد صلاة التراويح التي تعقبها فترة استراحة لبضع ساعات ومن ثم التفرغ للعبادة بعد أن تستقبل مجموعة من المكالمات من بعض الأسر للاطمئنان على الوجبات التي قدموها، وفي بعض الأحيان تقوم بزيارات سريعة إلى أقاربها وصديقاتها.
تآلف الأسر
أكدت فاطمة فتح الله أن مشروع إفطار صائم يقدم خدمات جليلة للصائمين والأسر التي كان بعضها يعاني من أوضاع مادية صعبة، إذ اكتشف المشروع قدراتهم ومنحهم الثقة للقيام ببعض المشاريع الصغيرة التي تدر عليهم دخلاً، لافتة إلى أنه بغض النظر عن المردود المادي أسهم هذا المشروع في تآلف بعض الأسر التي كانت تعاني من تصدع أو فتور العلاقة بين الزوجين أو الأبناء، ويبرز صور ذلك في التكاتف والتلاحم الذي يقدموه في إعداد هذه الوجبات.



