شهر رمضان مازال يحتفظ بطقوسه الأصيلة، وعبق ذكرياته التي تلمّ شمل كثير من الأسر، عادات الشهر الكريم احتفظت بروحها، على الرغم من رياح التغيير التي أصابت نواحي حياتية عدة، بداية من ظهور هلال الشهر والتأهب له، وطقوس السحور والإفطار والعبادات، وهذا الشهر يمثل فرصة للجمع بين الأجيال، خصوصاً صلاة التراويح التي تضم الكبار والصغار، وأبواب العطاء التي تفتح للفقراء والمحتاجين خلال الشهر الفضيل.
حيث تستعد البيوت لهذا الشهر بفترة ليست بقليلة وكعادة أهل الإمارات يستقبل الأهالي رمضان بكل فرح وسرور، حيث تبدأ البيوت بالتجهيز المعنوي والنفسي والمادي لهذا الشهر، فيطل رمضان بعاداته الجميلة التي قد تختلف قليلاً من منطقة إلى أخرى في طبيعة قضاء الوقت والعبادة وطريقة صنع وتقديم الطعام إلا أنها تتشابه في إطارها العام. ورحلة رمضان اليوم إلى منزل المواطن والتربوي الجليل سليمان سالم جميّع من سكان منطقة دبا الفجيرة، الذي استقبلنا بحفاوة رائعة تعبق بطيب الكلام وحسن الترحيب تتمازج مع رائحة الدخون الإماراتي وطعم الفوالة الرمضانية العامرة. حيث لا تزال العائلات هناك تحتفظ بالعادات والتقاليد المميزة للمجتمع الإماراتي.
عادات وتقاليد
في رمضان من كل عام، يلتقي الصغار والكبار هناك على مائدة مشتركة تقام في ساحة مسجد المنطقة الذي يقع بالقرب منهم، حاملين معهم أطباقهم الرمضانية الخاصة من كل بيت لمشاركة جيرانهم وأهلهم والمصلين طعام الإفطار الأولي بالمسجد قبل أدائهم صلاة المغرب، إذ يعودون بعد أداء الصلاة إلى الإفطار العائلي مع أبنائهم، حيث يجتمع الأبناء والأحفاد على مائدة عامرة بالأطباق الشعبية المتعارف عليها «كالهريس» و«الثريد» و«اللقيمات» والحلويات المتنوعة التي يتذوقونها بطعم المسلسلات الكرتونية التي تذاع بعد الإفطار في القنوات المحلية.
رحلة العمرة
ويتحدث المواطن سيلمان جميّع عن شهر رمضان بالقول: لرمضان خصوصية رائعة تبدأ بالاستعداد الديني المعنوي وبعقد النية والعزيمة على الاجتهاد في أداء العبادات والنوافل، حيث نستقبل الشهر بتبادل التهاني بين بعضنا البعض بعد الإعلان عن رؤية هلال الشهر الكريم، كما نحرص على جدولة أيام الشهر في زيارة الأرحام والأصدقاء الذين قلما نلتقي معهم إلا في المناسبات أو الشهر الفضيل. ونحرص على التجمع العائلي في بيت الوالدة والإفطار الجماعي الذي يكسبنا جواً من الفرح بعيداً عن ضغوط الحياة العملية اليومية. إضافة إلى الاستعداد المادي الذي يبدأ ببعض العادات المتوارثة كتجهيز التنور، وشراء المير الرمضاني وحجز رحلة عمرة لقضاء أواخر الشهر الكريم في الحرم المكي، لافتاً إلى أنه تعود هو وأبناؤه وإخوته على قضاء أواخر الشهر في الحرم المكي كل ما تيسر لهم ذلك.
تبادل الأطباق
ويشير سليمان جميع إلى أبرز مظاهر العادات الرمضانية لديهم وهي التجمع العائلي لإخوته وأبنائهم على الفوالة بعد صلاة العشاء، والتي غالباً ما تكون في منزل الوالدة أو في المزرعة التي يفضلون أن يتسامروا فيها إلى وقت قيام الليل. إلى جانب تبادل أطباق الطعام قبيل دخول وقت المغرب مع الأهل والجيران والمفطرين أمام المساجد، حيث يستلذ الصائم بتفطير غيره من المسلمين ومشاركتهم أطباقهم اليومية، وهو تقليد متوارث أباً عن جد، ويستعد له الكثيرون أملاً في عيش أيام رمضانية مختلفة.
ففي دبا ورغم الحضارة يأخذ الجميع على عاتقه البقاء في أجواء رمضانية لا تكاد تفارق المشهد المتوارث منذ عقود طويلة، فقبل أن يؤذَّن للمغرب تفرش الشوارع أمام البيوت أو في ساحات المساجد، ويشارك الناس جميعهم في إحضار العديد من أصناف الأطعمة والحلويات، فيجتمع عليها رجال الحي، والغريب عن أهله، ومن انقطعت به السبل، وكلّ من يمر في ذلك الطريق يثق تماماً أنّه سيجد إفطاره دون دعوة، فالدعوة عامة ولا حرج.
في حين تهتم النساء بصنع الخبز الإماراتي التقليدي «الرقاق» لصنع الثريد إلى جانب الأطباق الإماراتية المعروفة على رأس قائمتها «الهريس» الذي يعد في شهر رمضان بطريقة خاصة داخل التنور المنزلي، ما يجعل له طعماً خاصاً كما تجتهد البنات في طبخ عدد من الأصناف الغذائية والحلويات الرمضانية التي تزدهر بها الموائد، وبذلك يعيش الجميع حالة تقارب وانسجام ومشاركة لا تكاد تفارق قلوب وعقول الجميع هناك.
دروس دينية
ويتحدث رب الأسرة سليمان جميع، أنه مع دخول رمضان المبارك تتغير عاداتهم اليومية، حيث يحرص كرب أسرة على اصطحاب أبنائه إلى الدرس الديني اليومي في المسجد بعد صلاة العصر، فضلاً اختيار جامع أو مسجد يتمتع بصوت رقراق في قراءة القرآن لأداء صلاة التراويح وقيام الليل، حيث يسهم صوت الإمام وبراعته في قراءة القرآن في الخشوع في الصلاة. فإلى جانب العادات الرمضانية الأصيلة التي تبعث فيهم مشاعر السرور تتزايد أعمال الخير والصدقات وكل أشكال العبادة، فعائلة سليمان جميع حريصة على أداء العمرة في شهر رمضان لما لها من خصوصية جميلة في الشهر الفضيل. كما تتزايد حلقات تحفيظ القرآن للنساء والأطفال في منطقتهم وتعقد المسابقات بينهم لتشجيعهم على التنافس في زيادة حفظ كتاب الله.
مساعدات
والشيء المهم من وجهة نظر سليمان جميع هو أن شهر رمضان المبارك يحفز الأسر على العطاء دائماً، ويدفع في المقابل العديد من العائلات للسؤال عن عائلات أخرى كثيرة، من أجل تقديم المساعدات المادية والعينية لها، المواطن يبحث عن المواطن المحتاج مثلما يقدم المساعدة للمقيم والعامل.. وهو ما يجعل لرمضان أجواء خاصة قلما تتكرر طوال العام، حيث يشتاق الصائم له قبيل رحيله.
زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات. كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار.
نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا «مع الناس». أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا «مع الناس» فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا «مع الناس»، نترككم مع واحدة منها.
التربوي سليمان سالم جميّع
جليل خدم في وزارة التربية والتعليم بالفجيرة مدة 25 سنة بعد تدرجه في الوظائف التعليمية من معلم جغرافيا وتاريخ لمدة 15 سنة، إلى مشرف على الضبط المدرسي ومساعد مدير في إحدى مدارس المنطقة وأخيراً رئيساً لقسم التعليم الخاص في المنطقة التعليمية. حاصل على جائزة الشيخ خليفة التربوية في عام 2006-2007.
أب مثقف ومتواضع، رزقه الله 5 بنات و4 أولاد اثنان منهم في سلك العمل، يحرص في تربيته لأبنائه على غرس مبادئ الدين الإسلامي فيهم وتعليمهم الاعتماد على النفس وهو ما يعتبره سلاحاً كافياً لخوض مضمار الحياة دون الخوف عليهم.



