زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان.
مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.
كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا »مع الناس«. أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا »مع الناس« فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا »مع الناس«، نترككم مع واحدة منها.
رمضان مدرسة مكمِّلة لفصول التربية وقواعدها، تهذب النفس وتغرس فيها قيم الإيثار والعطاء، خصوصاً لدى الأبناء الذين حلقت بهم رفاهية الحياة وتطورها خارج سرب السلوك الإيجابي نسبياً، ففي العمل الإنساني يجد الشخص ذاته، ويدرك معنى السعادة والرضا. هكذا بدأت نادية الصايغ مديرة ومؤسسة مركز المشاعر الإنسانية، حديثها معنا؛ في «مع الناس»..
التقيناها في بيتها الثاني الذي شاطرته أوقات أسرتها، بعد أن جذبتهم إليه طوعاً بتأييد زوجها الذي هو الآخر وجد في رمضان الفرصة الأمثل لتنظيم أفكار الأبناء وغرس أسمى القيم في نفوسهم، هذا ما تضعه الصايغ في مقدمة أولوياتها، قبل شهر الخير وخلاله.
بدائل إيجابية
تستعد الصايغ قبيل دخول شهر رمضان، وأفراد أسرتها، لاستغلال الأيام الفضيلة التي يتضاعف فيها الأجر، بالتخلص من كل الالتزامات، والانتهاء من مختلف الأعمال الأخرى، حتى تبقي وقتها مسخراً للقيام بطقوس العبادة التي تليق بالشهر المبارك. كما تحرص في خضم استعداداتها لهذه المناسبة، على البحث عن البدائل الإيجابية التي تبعد الأبناء عن شباك التكنولوجيا والمسلسلات وحتى التلفاز بشكل نهائي، وصرف أنظارهم عن الانشغال في أي فعل قد يلهيهم عن القيام بواجباتهم الربانية.
وترى أن رمضان هو الفرصة المثلى التي يجب اغتنامها في توجيه الأبناء إلى الطريق القويم، وذلك ما تعلمته من بيت والدها الذي كان يحرص ولايزال، على نصب الخيمة الرمضانية مع اقتراب شهر الخير، حيث يبادر بمعاونة أفراد الأسرة لتجهيز الخيمة الرمضانية بقصد الظفر بالأجر والقدوة الحسنة. وفي تلك الخيمة يتشارك الصغار والكبار من أفراد الأسرة، نقل الطعام والشراب..
ووضعه على مائدة الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل. كما يحرص والدها على الخروج إلى المناطق القريبة، ودعوة المارة لتناول الإفطار في الخيمة، وهو ما حافظت عليه نادية الصايغ وزوجها، سعياً إلى تكريس التربية الإيجابية وقيم الخير والعطاء في نفوس الأحفاد والأبناء.
تُعد الصايغ خططها وبرامجها الاجتماعية الخاصة مستهدفة بها أفراد أسرتها وبيتها الثاني الذي أسسته لرعاية الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، المتمثل في «مركز المشاعر الإنسانية»، فهي تخصص الجزء الأكبر من يومها الرمضاني للعبادات والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالصلاة والدعاء والثناء..
وفي رمضان تقلل من خروجها من المنزل إلا في الحالات الطارئة. كما أنها لا تفضل العزائم المتكررة والزيارات شبه اليومية في الشهر الكريم، فهناك بعض الأسر تعد الموائد وتسرف في الأطعمة التي يكون مصير الجزء الأكبر منها مكب النفايات، وفي المقابل تكتفي الصايغ باجتماع أفراد أسرتها أو أفراد أسرة زوجها.
مظاهر الاستعداد
لا تدخر نادية الصايغ جهداً في تعليم الأبناء الواجبات والتكاليف الصحيحة، فهي تريد من خلال خدمتها وخبرتها في التعاطي مع ذوي الاحتياجات الخاصة والأيتام، نقل هذه السلوك الجميل إلى أبنائها وأحفادها وأفراد أسرتها، إذ تغتنم أيام رمضان ومشاعره الروحانية في جذبهم إلى المركز ليكونوا إخوة وسنداً لهذه الفئة التي تعد من أكثر الفئات حاجة إلى تكاتف المجتمع وأفراده معهم.
ويمكن للجميع كما تقول أن يرصدوا مظاهر الاستعداد والفرحة البادية على وجوه أطفال المركز بقدوم الشهر الفضيل، حالهم كحال الأطفال الأسوياء، وعلى الرغم من الإعاقات التي يعانون منها وصعوبة تذكرهم للأحداث والفعاليات، إلا أن البهجة والابتسامة تغمر وجوهم لمجرد سماعهم كلمة «رمضان»، فيحرصون على الاستعداد لهذا الشهر كل على قدره وبالهيئة التي ترضيه وتقنعه.
أمسيات خاصة
فرحة الصغار عموماً وأطفال المركز بشكل خاص، بشهر رمضان وسعادتهم به، ألقت على كاهل نادية الصايغ مسؤولية استمرارها ووقوفها الصلب إلى جانب تفاعل الصغار، لذلك فقد ارتأت هذا العام، أن تمنح أطفال المركز وطاقم العمل، استراحة في الفترة الصباحية، مع تنظيم الأمسيات التثقيفية والتوعوية للطاقم والأطفال في ليله، وتضمينها فعاليات ترفيهية وبرامج وأنشطة تتشبث بذاكرتهم، فيظل رمضان مختلفاً لديهم، وهو ما يزيد شغفهم بانتظار قدومه كل عام.
هذه الأجواء والمكرمات، انعكست على نفسيات الصغار في مركزها، إذ حرص بعضهم على الصيام والانتظام في أجواء الشهر الفضيل على قدر إمكانياتهم العقلية، متحدين إعاقاتهم وضعف قدراتهم، فمنهم من يبدأ بالصوم بصورة تدريجية، وآخرون يثبتون لمنتصف اليوم، حيث يبطل صيامهم لحاجتهم إلى تناول العلاج والأدوية، لأن الجزء الأكبر من الحالات في المركز يعاني إعاقات صعبة.



