زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان.
مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.
كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا »مع الناس«.
أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا »مع الناس« فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا »مع الناس«، نترككم مع واحدة منها.
لا يختلف اثنان، أن العمل في قطاع الطيران، والتحليق في الآفاق، بين الغيوم والنجوم، حلم يراود كل إنسان، ويولد معه، ويعتلي قمة أمنياته، تماماً مثلما هو شغف أي شخص بالسفر والمغامرة، وزيارة بلدان العالم، واكتشاف معالمها وثقافاتها، واقتناء أشهر الماركات العالمية منها.
والى الآن ظلت هذه المهنة مميزة وجاذبة، تحلق على ارتفاعات عالية في سماء الأحلام والأمنيات، وعصية على الهبوط في قائمة تصنيف أكثر المهن التي يحلم الكثيرون، وخصوصاً الشباب، بالالتحاق بها.
وعلى الرغم من سحر هذه المهنة، وسمو شأنها في المجتمع، وعلو قدر أصحابها بين حمَلة التخصصات الأخرى، إلا أنها بلا ريب شاقة، محفوفة بالمخاطر والتحديات، وتحتاج إلى دراسة وتدريب مستمرين، والتزام يشبه الحياة العسكرية، فالطيار في قمرة القيادة، محام يقرأ النصوص القانونية للطيران..
وقاض يصدر أحكامه وقراراته بين السحب والغيوم وفي حالات الطوارئ، ومهندس تقني عالم بأسرار طائرته، وراصد جوي خبير بقراءة الظروف الجوية، وأستاذ رياضيات وفيزياء يحسب الأوزان والارتفاعات والسرعات، ورجل أمن مؤهل لمواجهة أخطار الاعتداء والاختطاف في السماء، ثم سفير لبلاده ودينه أينما رحل.
كما لم تعد هذه المهنة بتلك الصورة التقليدية عن الطيار الذي يجوب العالم، ويمشي في السماء على بساط الريح، متنقلاً بين عواصم أحلامه، إذ انه يتحمل مسؤولية حياة الراكبين، ويتطلب عمله قدرة عالية على التحكم بالضغط النفسي والتوتر والقلق، واتخاذ القرارات السليمة، لتجنب الهزيمة في سباق السرعة مع »الدقيقة«، وفق ما يبين لنا الكابتن طيار ومدرب وائل مرسي، الموظف في شركة طيران العربية في إمارة الشارقة، والتي أبدت تعاوناً كبيراً مع »البيان«، وسهلت ترتيبات إجراء هذا اللقاء.
مهنة العائلة
ولأنه أحب الطيران وتعلق به منذ طفولته، وعاش في أسرة تمتهن هذا المجال، أصر الكابتن مدرب وائل مرسي على التحليق بأحلامه في سماء الطموح، والهبوط بها على أرض الواقع، ليدرس هذه المهنة، ويعمل بها، ويتغلب على تحدياتها، حتى وصل به المطاف إلى رتبة كابتن مدرب في طيران العربية التي »يطير معها« منذ نحو عشرة أعوام، سبقها العمل في الخطوط الجوية المصرية التي التحق بها مباشرة عقب عودته من دراسة الطيران في الولايات المتحدة الأميركية عام 1994.
الكابتن مرسي أصبح طياراً »بالفطرة والوراثة«، فوالده وكيل وزارة الطيران المدني المصري سابقاً، ووالدته مديرة سابقة في الطيران المصري ومسؤولة عن منح الطيارين والمضيفين رخص مزاولة المهنة، وأختاه مضيفتان في الشركة نفسها، ومنذ نعومة أظفاره تربى على حب الطيران، واستكشاف أسراره، وظل مدافعاً عن حبه له، حتى أنهى دراسة الثانوية العامة، والتحق بجامعة عين شمس لدراسة الكيمياء الحيوية، وأنهى البكالوريوس، قبل السفر لدراسة الطيران في الولايات المتحدة الأميركية.
تحقيق الحلم
على الرغم من التحاق الكابتن مرسي ببرنامج الكيمياء الحيوية في الجامعة، إلا أنه لم يحلق بعيداً عن موطن أحلامه وطموحاته المستقبلية، وظل قريباً منها وعلى ارتفاعات منخفضة، فكان يدرس إلى جانب مواد دراسته الكيميائية علوم الطيران، وأنهى الجانب النظري منها، وهذا ما ساعده لإنهاء دراسة »مستقبله« في مدة لم تتجاوز السنة.
وعن »الخطوة التالية«، وبداية التحاقه وتدرجه في قيادة الطائرات، والعمل في هذا المجال يقول:» في عام 1993 أنهيت دراسة البكالوريوس في الكيمياء الحيوية، التحقت بعدها مباشرة بدراسة الطيران في أميركا، وبقيت هناك مدة سنة، قبل العودة إلى مصر للتدريب نصف عام، والعمل مساعد طيار في الطيران المصري..
واستمر ذلك حتى العام 2004، حينما قررت العمل مع شركة طيران العربية، التي عملت فيها مدة سنتين على نفس الرتبة، ثم حصلت على ترقية وأصبحت »كابتن«، ثم الآن كابتن مدرب وممتحن طيارين، منذ نحو 8 سنوات«.
عاشق الطيران
»الطيران يحتاج إلى هاوٍ، وعاشق له، وإلا فلا حاجة لاقتحام أجواء هذه المهنة«، هكذا يصف الكابتن مرسي عمله، مضيفاً: »الطيران إبحار في فضاء الفرح والسعادة، وهذا ما أشعر به عندما أستقل طائرتي وأطير بالمسافرين إلى وجهاتهم، لأنني أحب مهنتي، وكافحت من أجلها، ولولا أنني أحبها، ومقتنع بها، لما وصلت إلى رتبة كابتن مدرب في هذا الزمن القياسي«.
يتابع: »العمل الجوي إدمان، وحالة عشق استثنائية، ومن يتعلق به لا يستطيع الابتعاد عنه، وأنا شخصياً أشعر بالمرض لو ابتعدت عن الأجواء أكثر من ثلاثة أيام، بل إنني أتعامل مع الطائرة كلعبة جميلة مفضلة، وأشتاق إلى لبس زي »الكباتنة« حينما لا يكون على جدولي رحلات قريبة، على الرغم من أنني وبقية الطيارين والمساعدين والمضيفين نطير نحو 90 ساعة شهرياً«.
طرائف رمضانية
ثمة مواقف طريفة حدثت مع الكابتن مرسي في رمضان، يذكر منها اثنين قائلًا: »عندما كنت أعمل مع الخطوط الجوية المصرية طرت إلى لندن صائماً مع أفراد الطاقم الجوي..
وهناك توجهنا إلى أحد المطاعم لتناول وجبة الإفطار، وبعد وصول الوجبة تفاجأنا أنه باق على موعد اذان المغرب ثلاث ساعات بحكم فارق التوقيت بين البلدين، وبقينا على الطاولة ننتظر الإفطار، حتى بدت علامات الدهشة والاستغراب على بقية الحضور، الذين ظنوا بأننا نمارس طقوساً معينة في الأكل، علماً أن أحداً منا لم ينتبه إلى الموعد من شدة تعب السفر والصيام«.
وعن الموقف الثاني يقول: »ذات يوم كنت موجوداً هنا في الدولة، قادماً برحلة من مصر، وتصادف ذلك اليوم مع إعلان الإمارات أن صباح اليوم التالي هو غرة رمضان، فصمت معهم، وفي اليوم المتمم للثلاثين في مصر، اضطررت أن أفطر بفتوى شرعية، حتى لا أصوم 31 يوما، على اعتبار أنني صمت قبلهم بيوم.
خدمة المسافرين سعادة تعوض الحرمان من الأسرة
مهنة الطيران، كغيرها من بعض المهن الأخرى، لا تحتمل تأجيل العمل، أو تبكيره، ولا يضرها إن كان الوقت ليلاً أو نهاراً، صيفاً أو شتاء، إفطاراً أو صياماً، فثمة رحلات يكون فيها الإقلاع أو الهبوط قبل موعد الإفطار أو السحور بخمس دقائق على سبيل المثال، وثمة أخرى قد يصوم فيها الطيار أو المسافر الجوي أقل أو أكثر من الساعات التي يصومها أهل البلد المسافر منها، أو »اليها«، ذلك متصل بـ»الغروب والشروق«.
عن هذا الجانب يحدثنا الكابتن مرسي قائلاً: »هناك رحلات يكون فيها الإقلاع قبل موعد الفطور بخمس دقائق أو نحو ذلك، وهذا لا يؤخر الرحلة، بل يؤخر موعد الإفطار بمعدل 20 دقيقة، خصوصاً إذا كان الطيران باتجاه الغرب حيث غروب الشمس، في المقابل قد يلتبس على الطيار معرفة موعد الإمساك، لا سيما إذا كان الطيران قبيل موعد الفجر...
والإقلاع باتجاه الشرق، وفي حالة الالتباس يستخدم الطيار ثلاث وسائل لمعرفة موعدي الإفطار والإمساك بدقة أثناء الطيران، وهي: برنامج على الموبايل يحسب خطوط الطول والعرض، ثم العين المجردة لمراقبة الشمس، وثالثاً الاتصال بضابط المراقبة الجوية في المحطات الأرضية«.
مسؤولية الطيار
وعن مشقة صيام الطيارين في رمضان، يقول: »عادة ما نفطر في الرحلات الطويلة، لأن قيادة الطائرة تحتاج لطاقة عالية، وتركيز كبير، قد نفقدهما مع الصيام، والخطورة هنا أن الطيار ليس مسؤولاً عن نفسه فقط لو صمم على الصيام، وإنما عن جميع الركاب..
وبالتالي عليه أن يكون يقظاً ونشيطاً ومتمتعاً بصحة وتركيز عاليين، علماً أن الطيار قد يكمل صيامه أثناء الرحلة لو شعر أنه متمكن من السيطرة، أو قد يفطر لو واجه ظروفاً جوية صعبة تستدعي مجهوداً وتركيزاً«.
ويشير المتحدث نفسه إلى أن الطيار »إمام« في الطائرة، وأحياناً مفتٍ، فهو الذي يخبرهم بمواعيد الاذان، والإفطار، والإمساك، ومسؤول أمام الله عن ذلك.
الجلوس على مائدة إفطار الأسرة، وأداء صلاة التراويح، وقيام ليلة القدر، والسهر مع الأهل والأصدقاء، وإتمام صيام الشهر، شعائر و»طقوس« يفتقدها الكابتن مرسي في رمضان، لكنه يعوضها بجو العمل الأسري، وبسعادته بخدمة المسافرين، وإيصالهم إلى وجهاتهم بسلام.
كما يعوضها بنشوة عالية في الثلث الأخير من رمضان حينما ينقل المعتمرين الصائمين إلى الديار المقدسة، فيستمتع بمشاهدتهم وهم يلبسون لباس العمرة، ويدعون الله بالرحمة والمغفرة والعتق من النار.
موقف صعب
أما أصعب رحلة واجهها، فكانت من الشارقة إلى جدة في السعودية، حيث كانت الظروف الجوية سيئة للغاية، في سماء جدة، حالت دون تمكنه من الهبوط في المطار، على الرغم من تحليقه نحو نصف ساعة هناك، ما دفعه لاتخاذ قرار بالعودة بالمسافرين إلى الشارقة حفاظاً على سلامتهم.



