«الكرك»..«حبيب الملايين ومشروب يفتك الرأس»، هكذا عبّر عشاقه عن مشروبهم الُمفضل الذي بات يحتل مركزاً متقدماً في قائمة المشروبات التي تتسابق على مائدة الصائمين، حيث ارتبط مؤخراً ارتباطاً وثيقاً بشهر رمضان المبارك وبالأخص في السنوات الثلاث الماضية وبعد صلاة التراويح، رغم الإقبال الشديد عليه طوال أشهر السنة، وشهرته الواسعة في غالبية مناطق الدولة بشكل عام، والمناطق الشمالية الشرقية منها بوجه خاص، إلا ان شهرته على مستوى الدولة لا توازي شيئاً فيما يُشكّله هذا المشروب لدى أهالي مدينة خورفكان بالتحديد.
شاي «الكرك»، حمل تسميته من اللغة الأوردية والكلمة في الأصل تعني «متيقظ جداً» كما أنه يعرف بشاي «الفقراء»، ولكن الشعبية الكبيرة التي يلاقيها مؤخراً في الإمارات حولته إلى ظاهرة اجتماعية متزايدة تنتشر خاصة بين الشباب، بل غدا رمزاً من رموز الحياة الثقافية، كما هو حال الشاي الكشري في مصر والشاي الياباني والشاي الأخضر. وبات الكرك معروضاً على لوائح أكبر مقاهي ومطاعم الإمارات ومشروباً مطلوباً من المقيمين والسياح الأجانب أيضاً.
أشار عدد من سكان خورفكان إلى أن هذا المشروب السحري يعد من أهم المشروبات على مائدة «الفوالة» والجلسات الليلية، إلى جانب «الشاي الملكي» الذي بات أيضا مشروبا عليه اقبال أيضا، حيث بات عدد كبير من السيدات والفتيات يبرعن ويتفنن في إعداده وتحضيره بحرفية عالية، اعتمادا على لمساتهن الخاصة وبالنكهات المحببة التي أعطت هذا المشروب سحرا مختلفا ومفضلا للجميع.
كما يتميز في رمضان بتحضيره في نكهات مستحدثة ولإرضاء رغبات الجمهور المتعطش لهذا الشاي منها: الكرك بنكهة البن أو الهيل والقرفة والفلفل الأسود والمسمار، وكثيرا من يفضّل طبخه بالزعفران وبالأخص في رمضان.
وفي استطلاع «البيان» لعدد من المواطنين، أكدوا بأنه مشروب سحري، له نكهته التي تميزه عن جميع المشروبات والمرطبات، في حين تزيد ميزته الخاصة في شهر رمضان رغم حرارة الجو، فجاءت كالتالي:
مشروب مفضل
في لقاء مع المواطنة أفنان النقبي قالت: ان «الكرك» أصبح واحدا من أشهر المشروبات الرمضانية - التي يحرص عليها الأهالي خاصة في مدينة خورفكان وما يجاورها من مناطق، فهو الأول بين المشروبات، ومكانته بارزة في مائدة الفوالة؛ لما له من نكهة خاصة، يتزود الجميع منه بكميات كبيرة، لافتة إلى أنه مشروب له تأثير السحر، و«يفتك الرأس» بعد فترة صيام شديدة.
من جانبه، قال المواطن سلطان حنون النقبي: «من يجرب الكرك يدمنه، فمن يجربه لأول مرة لا يرى فرقا كبيرا عن أي شاي عادي بالحليب، إلا أنه يتردد على مكان بيعه يوميا لاحتسائه، ما يعني أن مخترع هذا الشاي الغريب أضاف إليه مستحضرات سحرية تجعل من يشربه يدمنه مدى الحياة. غير أن الشارع في رمضان وبالتحديد بعد صلاة التراويح يزدحم بالناس بسبب شراء »الكرك« والحقيقة أنه شراب منعش ويشعرك بإحساس مختلف».
وأوضح نايف بني حماد من سكان خورفكان: أن هناك عادات وتقاليد تعودنا عليها منذ القدم لتأديتها في شهر الصيام، غير أن هناك عادات جديدة ومستحدثة بدأت تتصدر وتحظى باهتمام عالٍ كتناول «الكرك»، مؤكدا بأن له في رمضان نكهة خاصة رغم أنه يباع طوال العام، ولكن الإقبال عليه في الشهر الفضيل يزداد ويصبح مذاقه أشهى وألذ. كما ويعتبر المشروب الملكي على سفرة «الفوالة» أو موائد الصائمين بعد صلاة التراويح، مشيرا إلى أنها غدت عادة ثقافية اعتدنا عليها بشكل يومي وارتبطت بأذهاننا كونه مشروبا منعشا يهدئ الأعصاب.
منافسة
وبينت المواطنة فاطمة حسين ان «الكرك» يكاد لا يقوى على منافسته أي مشروب آخر من العصائر والمرطبات، مهما تنوعت حملات الترويج لها وتفننت، فبحسب الثقافة التي ارتبطت بأذهان الناس مصدر لإمداد الجسم بالطاقة والحيوية، إلى جانب مذاقه الحلو. ورغم وجود أصوات مجتهدة، ظهرت منذ فترة قريبة تحذر من تناوله بدعوى أن له أضرار صحية على سلامة الإنسان، يبقى الإقبال عليه كبيرا ومميزا، وبالأخص بعد وجبة الإفطار ليكون بديلا رئيسيا عن الشاي العادي أو أي مشروبات مرطبة.
وأشارت بدرية الصم من مواطني المدينة: إلى أن الصائمين لا يحتاجون هذه الأيام، إلى وصايا طبية بأهمية الإكثار من شرب السوائل، فالحرارة الشديدة التي صاحبت دخول الشهر الكريم تجبرهم على ذلك.
ورغم أن رمضان في فصل الصيف ويتطلب شرب المشروبات المرطبة، إلا أن الصائمين يتحلقون في شوارع خورفكان حول بائعي ومحلات «الكرك» بعد صلاة التراويح وحتى خلال فترة السحور، فالإقبال على هذا المشروب كبير جدا ومربح لأصحاب تلك المحلات. ومع ذلك أصبحت تتقن تحضيره وتتفنن في إعداده لأفراد أسرتها الذين يزورنها يوميا من أجل لمساتها في صنع الكرك والجباتي أيضا، لافتة إلى أنه سجل نفسه كورقة أساسية في قائمة المواد الرمضانية.
تحضير "الكرك"
تحضير «الكرك» له طقوس وآداب معينة في طلبه وطريقة شربه. وفي هذا السياق، أشار صديق قادر مسؤول مطعم كاليكوت بخورفكان: أن مطعمه يشهد إقبالا على «الكرك» كونه يقدم أصنافا جيدة ومتنوعة من هذا الشاي، مشيرا إلى أن تحضيره له طقوسه المتنوعة وفقا للأذواق والنكهات المستحدثة، وأيضا في صنعه الذي يحتاج إلى إتقان شديد لأن هذا النوع من الشاي يحتاج إلى صبر كبير جراء مدة تحضيره التي تستغرق وقتا طويلا نسبيا، وذلك حتى يجهز بالطريقة الصحيحة.
كما يتطلب إضافة مقادير محددة من عدة أصناف ليكون بالمذاق المفضل لشاربيه. وعن المكونات التي تدخل في إعداد شاي الكرك يقول «صديق» إن من أهمها الشاي الخشن والسكر والهيل وبعض الزعفران لإعطاء المشروب لونه المميز، كما يضاف إليه الحليب المركز السائل، ويوضع الخليط على نار هادئة لمدة نصف ساعة، مع مراعاة تقليبه بشكل مستمر. ومن أهم طقوسه في الصنع التحضير طريقة صب الشاي في الكأس لأن شـاي الـكــرك يمـتـزج عندما يصـب في الكـــوب لذا يجب صبـه مــن مسـافـة بعيدة نوعاً ما. هذا إلى جانب طريقه طلبه دون سؤال فقط بالإشارة.
إيجابيات
«الكرك» مشروب له إيجابيات وسلبيات صحية، فمن إيجابياته أنه شراب مبهج ويعطي شعورا بالراحة والانتعاش، وكلما كانت نسبة السكر فيه قليلة، كانت أضراره أقل، إضافة إلى التجانس الكيميائي المفيد من خلال وجود الحليب والذي يتداخل في تركيبه البروتين مع الدهون والسكر وجميعها مع الماء إضافة إلى العناصر المعدنية والفيتامينات الموجودة معه..
فضلا عن احتواء هذا الشاي على مركبات الفلافونويدات والتي لها دور في المحافظة على مرونة الشرايين وبالتالي تحسن الدورة الدموية، إضافة إلى ذلك ان هذه المواد تعمل أيضاً كمضادات للأكسدة، حيث ترتبط بالأجسام الحرة داخل الجسم وتمنعها من التراكم، وبالتالي تقلل من خطر الإصابة ببعض أنواع السرطانات.
.. وسلبيات
لكن من سلبياته خلط الشاي بالحليب ما يتسبب في قلة الاستفادة من الفوائد الصحية فيه. كما أن طريقة عمله وتحضيره تتطلب غليه لفترة زمنية طويلة، حيث ان تعرض الحليب للغلي المتكرر على درجات حرارة عالية ولمدة زمنية مطولة وإعادة تسخينه لمرات عدة، الأمر الذي يفسد التكوين الكيميائي المتجانس ويفكك البروتين ويحول قسماً من السكر المتفاعل مع البروتين المنحل إلى مركب جديد ذي رائحة متصاعدة ومميزة، لكن طبيعته أنه مادة تولدت كناتج احتراق وتفاعل غير طبيعي، ما يتسبب في مشاكل كالسمنة وتزايد الخلايا الدهنية في مناطق معينة في الجسم، إلى جانب أضرار أخرى تؤثر على جسم الإنسان.
نصائح طبية
الاهتمام بالإنسان وصحته من أولويات الدولة وذلك من خلال الحرص والعمل على تقديم أفضل الخدمات الصحية، ومن خلال رؤية الإمارات الوطنية بالسعي للعمل بالحرص على صحة الإنسان بدنياً وتطوير عقله ومهاراته البدنية والتي لا تبدأ من حيث تبدأ المشكلة، وإنما يجب الحرص على تفادي مثل هذه الأمراض والسمنة والمشاكل والتي بدأت تنتشر بين الأطفال والشباب من الجنسين.
والحرص على التوعية الصحية دائما وبشكل قريب من الفئات العمرية بالكشف المبكر لمرض السكر والسمنة والصحة العامة بشكل عام، والذي يجب أن يبدأ من المدارس كما السابق دون انتظار خروج وظهور المرض وعلاماته لتبدأ رحلة العلاج.
الوقاية خير من العلاج
نحتاج تجديد فهم لغة ثقافة الطعام بالتوعية بشكل مهم والأهم ثقافة الرياضة والمشي، وغيرها من ثقافات تصب حروفها وكلماتها في مصلحة الإنسان وصحته وعقله، كما ينبغي أن يحافظ الناس بشكل عام على الغذاء المتوازن الذي لا يؤدي إلى الإضرار بصحتهم وخاصة في شهر رمضان الكريم بعيدا عن «الكرك والجباتي» ولغتهما المنتشرة والخطيرة على صحة الإنسان.
مشروب مربح
أوضح بائعو «الكرك» أن عملهم في الشهر الكريم له مذاق آخر، حيث تنشط حركة البيع، في حين يُمثّل تجارة مربحة لجني مداخيل ممتازة بالمقارنة مع مبيعات الأشهر الأخرى، ويُقبل الجميع من المسلمين وغير المسلمين بشكل كثيف عليه. ويستمر الطلب عليه حتى الساعات الأولى من الصباح وفي بعض الأحيان قريباً من أذان الفجر. مؤكدين أن مكوناته وطريقة إعداده لا تختلف صيفاً أو شتاءً، كما لا فرق في الأسعار في الأيام العادية وفي رمضان، على اعتبار أن سعره ثابت وفي متناول الجميع.



