زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات. كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ..
ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا »مع الناس«. أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا »مع الناس« فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا »مع الناس«، نترككم مع واحدة منها.
للعام السابع على التوالي يواصل مشروع إفطار صائم الذي تنظمه مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية مهمة العطاء ورسم الابتسامة على وجوه الصائمين والأسر، والذي يعد من أكبر وأنجح المشاريع الرمضانية على مستوى العالم.
حيث يخدم شريحة كبيرة من مواطني الدولة والمقيمين على أرضها، خصوصاً وأنه وضع على عاتقه مهمة البحث عن المحتاجين ورصد الأسر التي حاصرتها ضغوط الحياة لتجفيف مصادر قلقهم وقلة إمكانياتهم، وبفضل التطورات والفروقات التي شهدها المشروع منذ انطلاقه أصبحت فوائده ومنافعه المتعددة تغطي شريحة كبيرة من الناس، والتي يمكن ترجمتها في تزايد أعداد الوجبات المقدمة في كل عام وتضاعف أعداد الأسر المستفيدة من المشروع.
زيادة مطردة
يبدأ الاستعداد للمشروع في كل عام قبيل دخول شهر الخير، وتوضع على رأس أولويات التجهيزات له، الملاحظات والمقترحات التي رصدها المشرفون الميدانيون على المشروع، والتي يتم مناقشتها واعتمادها بعد انتهاء رمضان في كل عام، وبناء على ذلك يتم استحداث نقاط توزيع جديدة وزيادة أعداد بعض الواجبات في نقاط معينة.
كما يتم استقطاب المزيد من الأسر لتلبية الزيادة المطردة في الأعداد، إذ تجاوز عدد الأسر المشاركة على مستوى الدولة عن 600 أسرة تتقاسم أكثر من 60 ألف وجبة يومياً، بمعدل 100 وجبة للأسرة الواحدة، وما يميز مشروع إفطار صائم أن جميع الأسر القائمة على إعداد الوجبات من أبناء الإمارات.
ويأتي اختيار الأسر الإماراتية لإعداد هذه الوجبات بهدف تحسين مدخولها المادي خصوصاً الأسر ذات الدخل المحدود، وتشجيعها على تحقيق الاكتفاء المالي من خلال منحها الثقة لريادة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهو بالفعل ما حققته أسر كثيرة بادرت إلى استغلال ريع المشروع في افتتاح مشروعات تجارية انعكست أثارها على حياتهم الشخصية.
يبلغ إجمالي الوجبات التي يقدمها المشروع في هذا الشهر قرابة 1.8 مليون وجبة موزعة على 110 مراكز في مختلف أرجاء الدولة، حيث تنطلق عربات التوصيل قبيل ساعات الإفطار، وذلك بعد استلام الوجبات من الأسر لتصل إلى المحتاجين في كل الأماكن، ويتم التركيز على المناطق التي تكتظ بالسكان والعمالة، ولضمان وصول الوجبات بصورة يومية وقبيل آذان المغرب ينتشر المراقبون الميدانيون لرصد الملاحظات سواء كانت متعلقة بتأخير المواصلات أو بوجود ملاحظات على نوعية الطعام ليتم التعامل معها فوراً.
فوائد المشروع لم تقتصر على إطعام الصائمين المحتاجين في الدولة، بل تخطت ذلك بعد اختيار الأسر لإعداد هذا المشروع والانتفاع منه مادياً ومعنوياً، وهو ما أوجد قصص نجاح وتغيرات جذرية في حياة العديد من هذه الأسر.
والتي فتحت لها أبواب جديدة لم تكن في حسبانها، وذلك ما أكدته المواطنة كلثم سعيد المهيري التي تشارك للعام الرابع على التوالي في إعداد الوجبات للصائمين، في منزلها الواقع في منطقة الجميرا بدبي، حيث قالت إن الحديث عن فوائد المشروع لا يمكن حصره على الجانب المادي فقط، بل قدم فوائد عدة ومنافع كثيرة للأسر.
هيمنة الروتين
وأشارت إلى أن المشاركة في مشروع إفطار صائم الذي تشرف عليه مؤسسة خليفة للأعمال الإنسانية قلب الموازين وغير الروتين اليومي الذي كان محاطاً بالكسل وتعاني منه معظم هذه الأسر، مؤكدة أنها من الأشخاص الذين تخلصوا من هيمنة الروتين، وبعد أن كانت ساعات الصيام لديها مقتصرة على النوم والعبادة، دخلت في تفاصيلها عبادة جديدة .
وهي العمل، الذي استنفر نشاطها وعكفت على القيام به بصورة يومية منذ ساعات الصباح، وما وطد من علاقتها بالعمل الجديد صداقتها القديمة التي جمعتها بالطبخ، حيث كانت في السابق تعد وتشرف على الوجبات التي يعدها أفراد عائلتها في مختلف المناسبات.
وأكدت المهيري أن منحها مهام إعداد هذه الوجبات هو فخر واعتزاز كون المشروع يحمل اسم شخص له مكانة كبيرة في القلوب، وهو صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، إضافة إلى أن المشروع يقدم خدمة للصائمين والمحتاجين، مشيرة إلى أن ذلك يدفعها ويشجعها على بذل قصارى جهدها لتظهر الوجبات التي تقدمها بصورة مشرفة.
أما عن استعدادها لإعداد هذه الوجبات قالت المهيري إنها تبدأ قبيل دخول شهر رمضان، وذلك باختيار الأواني المناسبة وتجهيز كميات البهارات والمعدات التي يحتاج إليها إعداد الطعام، ليتسنى لها عند دخول رمضان »الإبداع« في طهي الطعام على حد قولها، لافتة إلى أنها تحرص على النهوض باكراً بنشاط وحيوية، وتبدأ برفقة أفراد أسرتها التجهيزات الأولية لإعداد الطعام كتنظيف الدجاج وغسل الأرز.
ومن ثم إضافة البهارات له، لتبدأ بعد ذلك مشوار طهيه على نار هادئة، وقبيل وصول مركبات التوزيع تتشارك مع أفراد أسرتها توزيع الأطعمة في صناديق وتحكم إغلاقها، لتمنع تلوثها وتضمن وصولها إلى الصائمين بدرجة حرارة جيدة.
مطبخ شعبي
لم تدرك كثلم المهيري أن حبها للطبخ ومشاركتها في إعداد وجبات الصائمين سوف يفتحان لها أبواباً جديدة، ويؤسس لها مشروعاً لم يمر طيفه يوماً على مخيلتها، فمنذ اليوم الأول الذي انطلقت فيه حصلت على إجماع بلذة ما قدمته من أفراد أسرتها والمشرفين، واستمرت كلمات الإطراء والمدح تطرب مسامعها في كل يوم، حتى ذاع صيتها بين جيرانها وبعض الأشخاص الذي توافدوا عليها لتزين موائد مناسباتهم بأناملها، ومع استمرار الإقبال كانت المقترحات لإنشاء مطبخ شعبي ينهال عليه الزبائن ليتذوقوا طعامها.
لم تأخذ المهيري هذا المقترح على محمل الجد، لأنها كانت ترى ذلك ضرباً من الخيال، ولكن يوماً بعد آخر ومع سيطرتها على الكميات الكبيرة من الطعام التي تحضرها بدأت تترسخ فكرة إنشاء المطبخ، فاستغلت المبلغ الذي حصلت عليه من مشروع إفطار صائم في عامه الأول في وضع حجر الأساس لمطبخها الشعبي، وما إن أعلنت ذلك لجيرانها انهالت عليها الطلبات، حتى شعرت بأنها لن تستطيع تلبية هذه الكم الكبير، فاعتذرت من أشخاص كثيرين.
ولكن إطراء الناس والإقبال الشديد لم يترك لها خياراً عن تطوير مطبخها المصغر الذي عملته في منزلها، فبدأت في خطة جديدة باستقطاب الفئات المساعدة، وتلبية طلبات زبائنها، كما استغلت ريع مشروع إفطار صائم في تطوير مشروعها الذي ذاع صيته حتى بين موظفي المؤسسات والفنادق، والذين وقعوا معها عقوداً طويلة، وبمشاركتها الرابعة في هذا العام أصبح مشروعها يضم أكثر من 15 عاملاً، وتقدم خدماتها لأطراف عدة مستفيدة من الثقة والدعم الذي قدمته لها مؤسسة خليفة ومشروع »إفطار صائم«.
ميدالية ذهبية
الثقة التي حصلت عليها كثلم المهيري من تجربتها في تحضير الوجبات لمشروع إفطار صائم، زادت من عشقها للمطبخ، كما أن استماعها لإطراء زبائنها وإعجابهم بالمأكولات التي تقدمها، دفعها للمشاركة في كرنفال المأكولات الذي نظم في مركز دبي التجاري العالمي، ودخولها للمنافسة مع أشهر الطهاة وتحقيقها الميدالية الذهبية من بين العديد من المنافسين المحترفين.



