زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات. كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا «مع الناس». أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا «مع الناس» فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا «مع الناس»، نترككم مع واحدة منها.
بلغة الحنين إلى أيام الزمن الجميل في منطقة الشرق بخور فكان، وبحرها الفيروزي، وذكريات رمضان، أثناء التسكع بين جنبات فرجانها، حيث ما زالت تشتم رائحة إعداد الطعام ورائحة القهوة قبل الإفطار، كما لا تغيب عن ناظرها موائد الطعام، التي تعرض أصناف الأكل، ولا تفارق عن سمعها تراتيل وأصوات المصلين في صلاة التراويح أبداً، كون منزلهم كان يحاذي المسجد تماماً، الذي لم يكن يخلو من الضيوف « وزيارات الحريم في «جلسات» الفوالة»، كما لم تفارق مخيلتها احتفالات العيد من إعداد الذبائح و«الهريس»، وتوافد الجيران والأهل للمساعدة في طبخها.
ومع أصوات ذكريات رمضان الصبا، تطل ذكريات الغربة في مسيرة حياة الدكتورة بدرية أحمد حسن بن حماد، لتقضي 11 عاماً من رمضان خارج الوطن، حيث تزوجت وسافرت مباشرة لدراسة الماجستير مع زوجها في الولايات المتحدة الأميركية، حيث أنجبت بناتها الثلاث هناك، وبعد أن عادت أنجبت أولادها الاثنين. وأكدت بقولها: «اغتربت فترة طويلة، وكونت أسرتي الصغيرة وحيدة، وكانت رحلتي الدراسية رائعة استفدت منها الكثير. وقضيت سنوات عدة من رمضان دون لمة الأهل، إلا أنني لم أجد روحانيتي الرمضانية وانتمائي وجذوري إلا في وطني الإمارات لأنها مميزة ».
وأكدت أن «لمة» أفراد العائلة وبالأخص في « البيت العود» تكسر حواجز الانشغال الكثيرة خلال العام وتصفي النفوس، معتبرة أنها فرصة سانحة للعائلة، لتكون جلسة حميمية تربوية، إذ إن الظروف الحياتية تعيق تجمع العائلات في كثير من الأوقات.
»البيت العود«
وأكدت أن برنامجها في رمضان يختلف تماما ًعلى اعتبار أن الأجواء التي يرسمها شهر الصيام لا يمكن لأية مناسبة أخرى أن ترسمها مهما كانت هذه المناسبة، فكل شيء يتأثر بشهر الصيام حتى طريقة التعامل بين الأفراد، لافته إلى البرنامج الرئيس والأهم هو تناول الفطور يومياً عند الوالدة آمنة بنت محمد بن سالم، حيث يمثل هذا الشهر فرصة لتجمع الأهل وزيادة في صلة الرحم، مشيرة إلى أن تجمع جميع أفراد العائلة في «البيت العود» حدث مختلف وذو رونق خاص لما في هذا الشهر من بركة وفضل، حيث تشعر بأنها ما زالت طفلة صغيرة- على حد وصفها- وفي هذا الإطار يتم وضع استعدادات خصوصاً لرمضان لجعل أجواء التجمع عندها ذا بهجة وروحانية كبيرة، يستشعرون به من أول قدومه.
وتضيف: «نستعد لاستقبال رمضان حتى قبل قدومه، فكون الأسرة تجتمع فيه على مائدة إفطار واحدة، فإننا نبدأ في شراء الأطعمة والمأكولات الرمضانية كـ (العصائر والتمور والجريش والهريس وغيرها) التي يحب الصائم تناولها في رمضان، إلى جانب اقتناء الأطباق الخاصة، كما نشتري ونفصل ملابس رمضانية تقليدية ( كالخوار) للزيارات واستقبال المهنئين، وضيفات «الفوالة »، كما ونعمل على تقديم تشكيلة من المأكولات الشعبية الخاصة وأيضا الأزياء التقليدية للاستمتاع مع ضحكات الأطفال بليلة النصف من شعبان».
وأضافت: « نأتي كل عام بفكرة جديدة للديكور الرمضاني ووضع الزينة، كوضع الأضواء التي تحمل اسم الله واسم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ونعلق من حولها الفوانيس الرمضانية والنجوم والزخارف والإضاءة والمفروشات الرمضانية المميزة، فتبدو غرفة الطعام و كذلك غرفة الجلوس وخارج المنزل أجمل ومختلفة عن المرات السابقة، هذا إلى جانب تنظيم ليالي رمضانية بين فترة وأخرى »، مشيرة إلى أن ذلك من أجمل طقوس رمضان التي يحرصون عليها، وهي تشعرهم فعلاً بروحانية وطمأنينته.
وتعترف حسن، بقولها: « إن مساهمتي في إعداد وجبة الإفطار من الوزن الثقيل، كوني على علاقة جيدة مع المطبخ، إلا أنني استمتع بمتابعة طرق تحضير الوجبات، حيث أتعلم منها الكثير»، مضيفة إلى أنها تعشق جميع الأطباق في الشهر الكريم، وتشعر بمذاق خاص برمضان. ومن الأطباق التي تتمنى أن تكون دوماً على المائدة ( اللبن والتمر والسمبوسة والشوربة والسلطة والثريد ).
هدايا خصوصاً
وأكدت أنها تستعد كل عام لإعداد هدايا خصوصاً لجيرانها والأقارب ترحيباً بقدوم رمضان وإضفاءً لأجواء البهجة التي يحملها هذا الشهر وزيادة الروابط عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم« تهادوا تحابوا». وتتجلى متعتها في الذهاب إلى الأماكن التي تباع فيها تلك الهدايا الخاصة بهذه المناسبة في كل مكان، وتقتني أجمل ما لديهم من أشكال ومنتجات جديدة ومختلفة، حيث ابتاعت العام الماضي هدايا مصاحف، وقامت بتوزيع كيكة ذات أشكال رمضانية، وتقوم هذا العام بتوزيع هدايا عبارة عن عدسات خصوصاً لتكبير الخط أثناء قراءة المصحف الشريف خصصته للكبيرات في السن، كما تحرص على شراء كتب الأدعية الدينية التي يتبارى أطفالها على قراءتها وترديدها في أيام الشهر الكريم. وتستكمل قائلة: «تبدأ أيام رمضان بتبادل التهاني فيمر الصغير على الكبير، وأهل الزوج والعمات والخالات والجيران والأقارب، لتهنئتهم بقدوم الشهر، وهذا في الأسبوع الأول».
مسيرة الحياة
الدكتورة بدرية أحمد حسن زوجة وأم لخمسة أبناء، تعمل حالياً في منطقة الشارقة التعليمية، وهي خريجة بكالوريوس أدب إنجليزي من جامعة الإمارات، بعد ذلك تزوجت وسافرت للخارج لاستكمال الدراسات العليا مع زوجها الدكتور عيسى علي حسن المطروشي، فقد نالت شهادة الماجستير في القيادة التربوية من جامعة (بنسلفانيا ستيت) بالولايات المتحدة الأميركية 2003، ثم حصلت على شهادة الدكتوراه في التخصص نفسه في الجامعة ذاتها في عام 2009.
لديها نشاطات عدة وشهادات دولية معتمدة، فهي مدربة في القيادة التربوية ومهارات التفكير وبرامج في تأهيل الوالدين، كما اقتحمت العمل التطوعي من أوسع أبوابه، لتلج منه إلى بوابة الخير والثواب، وقد عملت في المجالات الآتية: عضوة في منظمة البحوث الأميركية وجمعية المتميزين تربوياً، إلى جانب مشاركتها محكمة مركزية في جائزة الشارقة للتميز التربوي. هذا فضلاً عن مشاركتها في ورش العمل والمحاضرات والندوات الخاصة بالقيادة التربوية واللغة الإنجليزية على مستوى الدولة، في حين أسهمت في تقديم أبحاث في مؤتمرات علمية وتربوية متخصصة على مستوى العالم.
السفر في رمضان
لا تتهيب الدكتورة بدرية من خوض غمار التغيير، فهو الأكثر ثراء في مسيرة حياتها، لذا جابت العديد من دول العالم واكتشفت أن أهم ما يميزها يوجد على أرض الإمارات، كما أنها تؤيد السفر في رمضان خارج الدولة، وذلك بقصد التغيير لما له من إيجابيات تعكس ثقافة الإنسان، خصوصاً إن سافرت العائلة معاً، وتفخر بأحلامها التي حققتها، وبأنها إماراتية ولدت على أرض تتمنى أن يبقى اسمها خفاقا عاليا. تعشق السمك، وتهوى القراءة والمشي، ولذتها الكبيرة السفر، ويبقى أخيراً التمني أن ترى أطفالها مواطنين صالحين، وتستمر في العطاء والعمل حتى آخر رمق من عمرها.


