زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات. كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار.
نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا «مع الناس». أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا «مع الناس» فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا «مع الناس»، نترككم مع واحدة منها.
شهر رمضان، هو شهر العبادات والقرآن والصدقات، فيه يتسابق الصائمون على تحصيل الأجر والثواب، وتجنب الوقوع في الذنوب والمهلكات، ولأنه كذلك، يحرص عادل عبد الله المعيني الضابط في جوازات ميناء جبل علي، على التفرغ لاستقبال هذا الزائر الكريم، وتلمس بركاته، وخيراته، وفضائل صومه والتقرب إلى الله فيه، من خلال الحصول على إجازة من العمل، لقضاء «أيامه» في بيته، مع أفراد أسرته، وبين أهله وأقاربه وأصدقائه.
رمضان بالنسبة للمعيني شهر عائلي بامتياز... شهر النشاط و«التشمير»، والتحلل من الأمور الدنيوية، والاشتغال بالعبادات، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام... شهر التفرغ للأبناء، وشدِّ عرى الترابط الأسري، وتمتين جسور التواصل مع أفراد العائلة و«المعارِف»، ولا يسمح بغير ذلك لاعتلاء قائمة أولوياته في تلك الأيام المباركات التي لا يغيب عن موائدها ولياليها الأخوة والأخوات والأهل والأصدقاء، فرمضان عنده إما «عازم» أو «معزوم».
يوم في رمضان
البرنامج اليومي للمعيني في رمضان، ذو صبغة دينية تربوية اجتماعية، «منزوع» الكسل، غني بـ«الفقرات» الأسرية والعبادات، ويحتاج إلى إعداد مسبق بالاشتراك مع أفراد أسرته، لا سيما لجهة الاتفاق على عدد ختمات كل واحد منهم للقرآن، و«قيمة» الجوائز الخاصة بها، ثم المساجد التي سيتم اختيارها لتوزيع وجبات الإفطار على المصلين فيها، وجدول الزيارات والاستقبالات العائلية.
يومه يبدأ في العاشرة صباحاً، حيث يتوجه لمتابعة شؤون أعماله الخاصة إلى حين الساعة الواحدة والنصف ظهراً، ثم يعود إلى البيت للاستراحة والقيلولة حتى موعد صلاة العصر، حيث يجتمع هو وأبناؤه على مائدة كتاب الله، وقصص الصحابة، وفقه الصيام وذلك في إحدى الغرف التي خصصها لهذا الغرض، ويستمرون في هذا الجو الإيماني، حتى قبيل موعد الإفطار الذي يستعدون فيه لتوزيع وجبات الإفطار على بعض المساجد والخيام، بالتزامن مع تكليف أحد الأبناء بوضع «مائدة خفيفة» أمام المنزل للمارة.
نشاط المعيني، وأبناؤه، لا ينتهي مع انتهاء الصوم والإفطار، بل ثمة «وجبات» إيمانية واجتماعية ورياضية أخرى، متمثلة بصلاة التراويح التي تسبقها «فقرة» المشي لمدة نصف ساعة، ثم بعد «الصلاة» ينخرط في لعب الكرة في ملعب الفريج، أو التوجه لزيارة الأهل والأصدقاء، وإن وجد فسحة في نصف يومه الثاني، يستغلها بجلسة عائلية لمتابعة أحد المسلسلات المحلية أو الخليجية.
خلوة للقراءة
في برنامجه كذلك متسع لخلوة يومية مع نفسه، ومع كتب السيرة وصحابة رسول الله، يقضيها في إحدى حجرات البيت التي يألف الجلوس فيها بعد انتصاف ليالي رمضان وحتى الساعة الثانية فجراً، كما اعتاد في جزء مقتطع من هاتين الساعتين على لعب الشطرنج على «الإنترنت»، قبل أن يخلد إلى النوم، ثم يستيقظ للسحور، ولصلاة الفجر في المسجد.
كما لا يفوته في رمضان متابعة برامج المسابقات الإذاعية، والمشاركة في الإجابات، والفوز بالجوائز. المعيني الذي ليس له «سكة» إلى المطبخ، أو إعداد بعض أنواع السلطات والمشروبات الرمضانية، يكتفي بدور «الضابط» المشرف على هذه العملية، وأكثر ما يرغب تناوله من أكلات هو الثريد والسمك المشوي، الحاضران بقوة على مائدة الإفطار.
العشر الأواخر
كالخيل الأصيل التي تجود في نهاية شوط السباق، يكثف المعيني نشاطه الديني في العشر الأواخر من رمضان التي يقضيها في العمرة، بعد أن يعيّن ابنه البكر راشد نائباً له في البيت، ويكلفه بالواجبات والمسؤوليات التي كان يقوم هو بها، من توفير احتياجات البيت، وتوزيع وجبات الإفطار على المساجد والخيام الرمضانية، ومتابعة «إخوانه» في قراءة القرآن، وتلبية دعوات الأهل والأصدقاء، وعند عودته من العمرة يعقد اجتماعاً للأسرة ويقف على نتائج «الغياب»، ويقيّم أداء أبنائه، وفق قاعدة «لكل مجتهد ثواب»، و«لكل مقصر عقاب».
رمضان اليوم والأمس
عندما سألنا المعيني عن الفرق بين رمضان اليوم، ورمضان الأمس، صمت، وتنهد، وأخذ شهيقاً أنعش به ذاكرته، التي تختزن بين صفحاتها، مواقف وعادات اجتماعية ومن روح ديننا، غابت عن حاضرنا الذي نعاه بحزن شديد بعد ما حل بأبناء هذا الجيل الذين باتوا يعتمدون على وسائل الاتصال، للتواصل مع أرحامهم، وأقربائهم، وأصدقائهم، وصار السهر والنوم ديدنهم في شهر الحيوية، والعطاء، والجود، وزيارة «قرابة الدم».
رمضان الأمس يختلف كثيراً عن رمضان اليوم، والمسافة طويلة بينهما يقول المعيني، ويؤكد أن الناس في السابق كانوا أكثر حباً، وتواصلاً، وإحساساً ببعضهم البعض، ويستذكر كيف كانوا يتفقدون بعضهم البعض وتحديداً عندما يغيب أحدهم عن الصلاة في المسجد، كما يستحضر كيف كانوا يتبادلون الطعام، والحلويات، والزيارات، ثم كيف كان الآباء يحرصون على اصطحاب أبنائهم معهم أثناء زيارة الأهل والأصدقاء، حتى يتربوا على صلة الرحم، والقيم الأصيلة.
بطاقة شخصية
عادل عبد الله المعيني يعمل ضابطاً في جوازات ميناء جبل علي، برتبة نقيب منذ العام 1999، وقبلها في جوازات مطار دبي منذ 1993، حاصل على شهادتي البكالوريوس في الحقوق من أكاديمية شرطة دبي في 1999، والماجستير من جامعة القاهرة عام 2001.
له من الأبناء «7»، أكبرهم راشد وعمره 17 عاماً، وأصغرهم علياء 7 أعوام، وبينهما أسماء وعبد الله وحصة وحامد وماجد، وقدوته في الحياة والعمل زوجته، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي تعلم منه حب العمل، والإخلاص فيه، ومساعدة الآخرين، وإعطاء صورة طيبة عن الإمارات.
تعود المعيني منذ صغره على خشونة الحياة، مقتدياً بوالديه اللذين ربياه على «العصامية»، وخاض معركته معها مبكراً، عندما كان عمره 23 عاماً، حيث تزوج، وبدأ دراسته الجامعية في السن نفسه، بالتوازي مع العمل الذي كان يحصل على إجازة منه وقت الامتحانات.


