زيارة رمضانية الزمان، بيتية المكان، اجتماعية الملامح، نرصد فيها ما يميّز أصحاب البيت في رمضان. مواقف وحكايات وأنشطة وممارسات تدور في فلك الأيام والساعات، نلملم منها قصصاً وصوراً واهتمامات، تخص الآباء والأمهات؛ وأيضاً البنين والبنات.
كل هذه الملامح تتكاثف بعفوية لتشكّل معاً ما يشبه العادات، التي تنعش أجواء رمضان باقتدار. نرصدها ونحصرها ونحصد منها ما يليق بالفكرة من خلال حديثنا «مع الناس».
أبرز ما يميز اليوم الرمضاني نضعه أمامكم في قصص يومية شخصية، ثلاثينية الفصول ترضي الفضول. في رمضان كنا «مع الناس» فوجدنا الكثير مما يستحق الذكر، أيام تفيض بالمتعة في أرجاء بيوت كثيرة، وقناعات أخرى وجدناها في ثنايا القول والفعل. صورناها بالكلمات وسلطنا الضوء فيها على يوميات تدوم في ذاكرة أصحابها، تخصهم وحدهم في شهر الخصوصية. هكذا هي حكاياتنا «مع الناس»، نترككم مع واحدة منها.
لا يمر يوم دون ساعة للأبناء، وساعات للأشقاء والأقارب والأصدقاء، وللرياضة أيضاً نصيب من وقت شهر رمضان في أجندة الدكتور اللواء أحمد عيد المنصوري، مدير منطقة دبي التعليمية. «مع الناس» كنا في بيت المنصوري في منطقة جميرا في دبي، حيث الخيمة الرمضانية الأسرية المفتوحة ولقاء الأشقاء برتبة «لواء»، والأجواء الدينية الأسرية التي يحاول بها المنصوري «سرقة» بعض وقت أبنائه من الـ«آيباد» ومرادفاته.
يوم المنصوري الرمضاني تربوي بشقين؛ المنطقة التعليمية وأكاديمية شرطة دبي، في العمل يشغل نهاره، قبل أن يحين وقت القيلولة. ومنذ عامين اعتاد نهجاً تربوياً رمضانياً متوازناً، مبعثه أمران: زيادة تعلق الأبناء بأدوات التقنية الحديثة، وبداية إدراكهم لحيثيات التربية القويمة، فأكبرهم سناً محمد في الصف التاسع، ثم عفراء وشيخة وعائشة وعيد وعلياء ابنة العام والنصف.
مائدة يومية
كل يوم في رمضان يحرص المنصوري على الجلوس مع أبنائه على الأقل ساعة بعد العصر، يلتقي الأب والأبناء على مائدة السيرة النبوية وقصص القرآن، في جو روحاني اجتماعي هادف، يشارك فيه الأبناء في البحث والتقديم جنباً إلى جنب مع الأب.
هذه الحلقة الرمضانية اليومية وجدت بعد أن لاحظ الأب تعلقاً «فطرياً» بأجهزة الحداثة إلى حد الإدمان، فأراد تطويعها تربوياً في شهر مفعم بأجواء جميلة..
كما أراد إخراج الأبناء ولو بعض الوقت من حالة إدمان طفولي لدى الصغار هذه الأيام، وبالفعل يجد الأب مردوداً تربوياً ونفسياً كبيراً لدى صغاره، رغم مشاكسات الابن الأكبر أحياناً. بعد هذه الساعة يتجه الأب إلى تلاوة القرآن. وفي بعض المرات يمكن له أداء رياضة المشي وقيادة الدراجة الهوائية قبل الإفطار، وغالباً بعد التراويح.
خيمة »الألوية«
قبل رمضان، اعتاد المنصوري وأشقاؤه وشقيقاته التجمع في بيت العائلة في يومين، الخميس للبنات المتزوجات، والجمعة للأبناء، وفي رمضان يفطر الأبناء يومياً في خيمة الأسرة في منطقة جميرا. خيمة «الثلاثة ألوية» الأشقاء، إن جاز التعبير؛ اللواء محمد عيد المنصوري، واللواء طارش عيد المنصوري، واللواء أحمد عيد المنصوري، ومعهم الأبناء ومن تجود به الطريق.
كل أسرة تطبخ في بيتها وتأتي بالوجبات إلى الخيمة، بعد التنسيق اليومي بين الزوجات لإعداد أصناف مختلفة، قوامها: الهريس والثريد والعيش والسمك واللحم، وسواها من الأكلات الحاضرة يومياً في خيمة الإفطار.
هذه الخيمة التي تضم ثلاثة ألوية في شرطة دبي، وأبناءهم، تتسع أيضاً لكل من يصادف مروره في المنطقة وقت الإفطار، إذ يلح المنصوري وأشقاؤه على المارة مشاركتهم وجبات الإفطار في رمضان، وقد يصل عدد الحاضرين يومياً إلى نحو 40 شخصاً. يجلسون معاً حول مائدة موحدة دون تمييز. بالطبع المارة من العمالة الآسيوية لا يدركون أنهم يجلسون على مائدة 3 ألوية في الشرطة؛ تلك هي روح دبي.
بعد الإفطار
بعد الإفطار يتجه كل «لواء» إلى بيته، يستعد لأداء صلاة التراويح، ثم يعود إلى بيته، وفي هذه الأثناء يفضل الدكتور أحمد المنصوري ممارسة الرياضة، قبل أن يعود الجميع إلى الخيمة، عند العاشرة والنصف، يتسامرون ويلتقون الأصدقاء والأقارب في أجواء رمضانية اجتماعية بامتياز. وما إن يحين وقت السحور ويتجه الكبار إلى النوم، حتى يأتي الشباب الصغار إلى الخيمة لإكمال حلقة السمر إلى الفجر أحياناً.
بقي أن نقول إن الدكتور أحمد المنصوري، بحكم سفره ودراسته في مصر وبريطانيا، استطاع الإلمام بأبجديات الطبخ إلى حد الإتقان، ومارس هذه الهواية الإجبارية في رمضان خارج الوطن، إذ تمكن من إعداد وجبات رمضانية شهية لأسرته في أيام سفر، ولا يزال يشارك بعض الأصدقاء متعة إعداد الوجبات في رحلات البر التي يحرص على القيام بها بشكل دوري في مناطق محددة داخل الدولة.
تأخر الأبناء
أكثر ما يزعج المنصوري تأخر الأبناء عن الحضور إلى الخيمة، أو انشغالهم بمسلسلات وبرامج تلفزيونية لا تليق بحرمة الشهر الفضيل، وبالتأكيد انشغالهم المفرط بأجهزة التقنية التي باتت تؤرق الكثير من الآباء في رمضان وسواه من الشهور والأيام.
الدكتور اللواء شخص هادئ صبور مجتهد مهنياً وأسرياً، ونادراً ما «يخرج عن طوره»، وإن حدث ذلك يكون السبب محمد الابن الأكبر المشاكس كما يعترف المنصوري.
كلمة أخيرة خص بها اللواء أحمد عيد المنصوري كل الآباء والأمهات: اغتنموا أيام رمضان بالتقرب من الأبناء، فالأسرة لها حق كما العبادة، وليس هناك أجود من الشهر الفضيل للتغيير في سلوك الأبناء، وتخليصهم من رواسب التقنيات والأدوات التي تطغى على تفكيرهم.
أول قانوني في الشرطة
نال الدكتور أحمد المنصوري بكالوريوس شريعة وقانون من جامعة الإمارات عام 1986، والتحق بالسلك الشرطي بعد دورة ضباط جامعيين، فكان أول «قانوني» يلتحق بالشرطة، ثم عمل ضابطاً مناوباً في مركز شرطة بر دبي لعامين، وبعد افتتاح أكاديمية شرطة دبي، أصبح المنصوري نواة للكادر التعليمي فيها، وفي الأثناء ابتُعث لدراسة الماجستير في مصر، وعاد ليتسلم منصب نائب مدير الأكاديمية، ثم غادر إلى المملكة المتحدة، وتحصل على الدكتوراه في قانون الإجراءات الجزائية.
عاد إلى الشرطة بمسمى مدير مركز شرطة نايف، ورجع إلى الأكاديمية برتبة عميد ليظفر بمنصب نائب المدير العام، وفي أبريل 2011، انتقل إلى السلك التربوي ليتولى زمام إدارة منطقة دبي التعليمية، برتبة لواء في الشرطة، وحتى اليوم؛ لا يزال يعمل أستاذاً في الأكاديمية.


