بدأ الفنان أحمد الجسمي حديثه عن شخصية الفنان جابر نغموش، بالعلاقة الممتدة التي تربطهما منذ قرابة 30 عاماً، والتي تجاوزت حدود العمل إلى علاقة أخوية وأسرية. ووصف الجسمي جابر نغموش بصاحب الشخصية المحافظة على أدق معاني الإنسانية إلى أبعد مدى، فهو لم ينسلخ عما تربى عليه من عادات وتقاليد رغم أصعب الظروف، كما لم تغير الشهرة التي اكتسبها من تفاصيل حياته المعتادة، وهو لا يتصنع ويرفض هذا المبدأ في الحياة عموماً، لذلك فإن من يعرف جابر نغموش عن كثب، يدرك أنه من الأشخاص الذين يعشقون البساطة في حياتهم بكل تفاصيلها، وذلك انعكس على مسيرته الفنية التي لطالما كللتها العفوية.

لم يتنازل

نجاح جابر نغموش في حياته الفنية لم يأتِ عبثاً، وقد سانده في ذلك عفويته وشعبيته وأداؤه لمختلف الأدوار بصدق وإخلاص، وتلك الملامح من الصعب إيجادها في هذه الأيام لدى غالبية النجوم والفنانين على امتداد الوطن العربي، وعلى الرغم من أن الدراما اليوم أصبحت صناعة وتجارة في الوقت نفسه، وصار شبه حتمي أن يرافقها تنازل عن بعض العادات والتقاليد، إلا أن جابر نغموش لم يرضخ لذلك، مع العلم أنه لم يرفض حالة التمدن والحداثة التي غزت أدواتها شتى تفاصيل الحياة، لكنه تمسك بعاداته وتقاليده ومبادئه بصورة متوازنة، وحافظ بثقة على الأهداف التي يؤمن بها من منطلق الفن الصادق، لذلك بقي نموذجاً للبطل الشعبي في الإمارات، كما يروي زميله أحمد الجسمي.

نظرة سلبية

وأشار الجسمي إلى أسباب كثيرة تقف خلف النجاحات التي حققها جابر نغموش، أبرزها أنه يجسد الواقع في أدائه الفني، وذلك ليس غريباً على شخصيته، فهو ابن البيئة والمكان، ولم يؤثر التمدن على لهجته وطبيعة حياته اليومية.

وأضاف: أمام هذه البساطة التي ظهر بها جابر نغموش في العمل التلفزيوني، هناك من ينظر إليه على أنه فنان غير مثقف، ويتعامل مع النص والدراما بسجيته، والبعض الآخر يعتقد أن اسمه مرتبط ببعض الأعمال المحلية والشعبية، وهذه النظرة أيضاً سلبية، وتهضم حق الشخصية الفنية لجابر نغموش، فهو في الأصل ذو شخصية مبدعة، يؤدي الأدوار التي تناسب قناعته، إضافة إلى أنه إنسان مثقف، ويحمل درجة البكالوريوس، ولديه شغف الاطلاع، كما أنه يعد من رجالات المسرح في دولة الإمارات، وهو من المؤسسيين لمسرح رأس الخيمة.

حاير طاير

وأكد الجسمي أن اسم جابر نغموش ارتبط كثيراً بمسلسل «حاير طاير»، وفي هذا الصدد لا بد أن ندرك أن النص المكتوب يساند التفوق الذي يجسده الممثل مع التأكيد على قدراته ومهاراته الخاصة، موضحاً أن النص المكتوب في ذلك العمل بدا وكأنه يلامس شخصية الممثل الواقعية، وهذا ما حدث في هذا المسلسل بالتحديد، الذي أضاف فيه نغموش بشخصيته المميزة وهجاً ونجاحاً آخرين، وربما لو أن الشخصية التي شاهدنا في «حاير طاير» ليست جابر نغموش، فمن الممكن أن نشاهد المسلسل بضعف أقل من حيث الصدى والتألق والتميز الذي استطاع جابر أن يصنعه من خلال تفاعله وتوجيه أحاسيسه في التعامل مع النص.

إحساس مرهف

وبيّن الجسمي أن جابر نغموش يتعامل مع النص أياً كان بإحساسه المرهف، وذلك يعني أن نغموش لا يرتبط بأدوار معينة، إنما هو قادر على أن يخوض أي تجربة مغايرة، بدليل الأعمال الأخرى التي قدمها وحظيت بشعبية وإقبال كبير من قبل الجمهور، وقد يكون رفضه للعديد من النصوص أحد أبرز الأسباب التي تقلل من ظهوره في أعمال تلفزيونية واقتصاره على أدوار معينة، وذلك من شدة حرصه وشكه بأن يكون الدور الذي سيتقمصه لا يناسبه، حتى يحافظ على مستواه وحب الجمهور له باستمرار.

لا يتشرط

وقال أحمد الجسمي: إن جابر نغموش لا يتشرط في مسائل الإنتاج وفي مواقع التصوير وغير ذلك، فهو من الممثلين الإيجابيين والمؤثرين، فسرعان ما يضفي بتواضعه وبساطته أجواءً من المتعة والمرح على فريق العمل بأكمله، وهو ما ينعكس على جودة الأداء، ويضفي روحاً من البهجة لدى الجميع، وهناك الكثير من الممثلين يمتازون بمثل هذه السمات الإيجابية، وفي المقابل تجد بعض الفنانين يتطلبون ويضعون شروطاً كثيرة ويتدخلون في الإنتاج بصورة سلبية تؤثر على الأداء، وربما تعيق الوصول إلى المستوى المطلوب، وبين هذا وذاك فرق كبير يدلل على شخصية فنية ذكية بمعنى الكلمة.

الشرطة والسمك

كثير من المواقف الطريفة يحدث في مواقع التصوير، خصوصاً إن كان العمل الفني يضم جابر نغموش وبعض فناني الرعيل الأول، إذ لا تغيب الدعابة والابتسامة عن وجوه العاملين طوال وقت التصوير، ومما يميز جابر نغموش أنه حينما يكون الدور الذي سيؤديه هو دور لرب أسرة، فإنه يخلق جواً أسرياً قبل بدء التصوير، بفعل روح الدعابة والطرافة التي يمتلكها، لزيادة الثقة في نفوس الممثلين وإكسابهم أريحية لتحقيق مزيد من الانسجام. وأضاف أحمد الجسمي: في أحد المسلسلات كان دورنا أفراد شرطة، وقد ارتدينا الزي وركبنا سيارة الشرطة وتوجهنا إلى مكان التصوير لنكمل المشهد، وفي الطريق مررنا بسوق السمك، فنزلنا جميعاً على هيئنا واشترينا السمك وشويناه ونقلناه إلى فريق العمل، وتبدل المشهد من التصوير إلى الأكل والفكاهة بمعية جابر نغموش.

عنيد وهادئ ولا يمازح من يخطىء في حقه

اعترف الفنان أحمد الجسمي أن زميله جابر نغموش شخص عنيد، وإن لم يقتنع بشيء فمن الصعوبة أن يتقبله، وله أسبابه الخاصة التي يتمسك بها في هذا الصدد، وتراه يتعامل مع الأمور بمنطق متوازن، ويحدث ذلك في اختبارات النصوص وفي تقمص بعض الأدوار، وذلك من الأمور الطبيعة التي تحدث خلال القيام بأي عمل فني.

وفي المقابل قال الجسمي: جابر نغموش ذو شخصية هادئة، لا يتدخل في مختلف التفاصيل، حتى وإن كان هو بطل العمل الفني، ويفضل أن يجلس بعيداً حتى لا يؤثر على سير الإنتاج، وهذا التواضع قد لا نجده عند الكثير من الفنانين الذين يتدخل بعضهم في كل شاردة وواردة، لدرجة يصل بهم الحد إلى اختيار بعض الممثلين. وإذا ناقش جابر فإنه يناقش بأسلوب ودي وهادئ، ويقتنع إن أقنعه الشخص بالمنطق، وإذا اعترض على شيء يكون اعتراضه لصالح جودة العمل.

ومن الممكن أن ترافق أحداث التصوير في بعض الأحيان، مشاحنات وخصومات بين فريق العمل، وقد يحدث ذلك مع جابر نغموش الذي يبادر بالتسامح إن كان هو المخطئ، لكنه يصر على خصومته إن كان الطرف الآخر هو الذي أخطأ بحقه، ورغم ذلك فهو يحاول أن يظهر للآخرين ردة فعله بطريقة ودية حتى يثبت لهم أنهم المخطئون، وذلك يعني أنه لا يهجر من يختلف معهم بشكل نهائي، بل يتحدث معهم ولكن من دون أن يمازحهم، وهو الأسلوب الطاغي على شخصيته. واختتم الجسمي: ما يميز جابر نغموش أيضاً أنه فنان مبدع يحتاج إلى نص يناسب شخصيته ويتلاءم مع سجيته وفق الصيغة التي يفضلها، وهو السبب الحقيقي الذي يقف خلف بروز وتألق كل فنان، فأي نجم قوي بحاجة إلى ورق أقوى، ولعل السبب الذي يقف خلف اختفاء جابر نغموش عن بعض الأعمال الحالية، ربما يكمن في نقص النصوص وقلة الكتاب المتميزين، الذي يُعدُّون على أصابع اليد الواحدة في دول الخليج كافة، لأن الفنان إن لم يحصل على النص القوي، فهو لن ينجح مهما كانت المغريات التي تقدم له.