بخبرة 45 عاماً في قطاع الثروة الزراعية والسمكية، ومساهمات خيرية متعددة، ومشاركات تعليمية وثقافية متنوعة، لا يزال سعيد بن محمد الرقباني المستشار الخاص لصاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، رئيس جمعية الفجيرة الخيرية والوزير الأسبق لوزارة الزراعة والثروة السمكية (البيئة والمياه حالياً)، يتابع مشوار حياته في سلسلة متصلة منفصلة من التجارب والمسميات والرحلات.

بدأ الرقباني في الفجيرة حينما عشق البحر وحكاياته والبر ومغامراته. وقد أحب العلم، ونهل علمه من الكتاتيب آنذاك، وتحمل المسؤولية مبكراً. فبصماته بدت واضحة عندما بدأ العمل مدير دائرة الجوازات والجنسية بإمارة الفجيرة عام 1968. ومن ثم عضواً من الرعيل الأول في المجلس الوطني الاتحادي بصوته الصادح، المدافع عن مواقفه في قضايا المواطنين، وهو الذي يؤمن بأهمية العمل وبكونه ليس كرسياً للراتب أو الوجاهة.

إلى جانب ذلك فإن لمسات الرقباني لاتزال مستمرة حتى الآن، من أجل إرساء القواعد في الثروة السمكية والحياة البحرية، فالسنوات التي قضاها الرقباني في تلك الوزارة، حرك خلالها مياهاً راكدة في عدد من القضايا، وأنجز خطوات مهمة في أخرى. في حين تبقى يده ممدودة لكل فكرة أو مشروع يحمل في طياته خدمة عامة للإمارات وأهلها، فهو يعتبر من أشد الداعمين للمشاريع الخيرية والخدمات التعليمية وجمعية الفجيرة الخيرية خير مثال على ذلك.

خط البدايات

في حديثه عن الوزير الأسبق سعيد محمد الرقباني، قال الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد، إن الحديث عنه مهمة صعبة؛ لأنه عاش حياة عريضة لوطنه وللعمل العام وللناس الذين عمل معهم، واصفاً إياه بأنه إنسان ورجل دولة من طراز رفيع، مؤكداً أنه خلاصة لشخصية فريدة متواضعة ومثقفة ومحبة لعمل الخير لمن يعرف ولا يعرف، وناصحة، وحكيمة وواصلة للرحم، صادقة في شعورها والأهم من كل ذلك وهبت عمرها خدمة للوطن.

سمات شخصية

وتطرق الجاسم إلى بدايات معرفته بسعيد الرقباني، وهما من تجمعهما علاقة صداقة ونسب، وأضاف: في كل أدوار حياته يبقى أخاً ناصحاً ورفيقاً عظيماً، مستعرضاً أهم سماته كالهدوء والاستماع لمحاوريه، والاحترام وتقدير الآخرين، والبعد عن الحساسيات في العمل الوطني. كما أنه في مقدمة المشاركين في الحوارات والنقاشات العامة التي تثري خزينة معلوماته، وهو يعشق القراءة بنهم شديد وبالأخص كتب التاريخ والثقافة والدين، ويطالع كل ما يقع تحت يديه. مشيراً إلى أن الحديث عنه لا تختصره كلمات وجمل.

احترام الناس

وأوضح أنه رجل عصامي اعتمد على ذاته في تكوين وبناء شخصيته، ترعرع على الاجتهاد في العمل واحترام الناس، واستقى علمه من الكتاتيب آنذاك. كما تلقى ألوان العلوم على يد شيوخ أجلاء في الدين واللغة، وسافر في صغره إلى العديد من الدول، ما ساهم في تزويده برصيد معلوماتي يضاف إلى مشوار حياته الثري. وعرف الرقباني بنشاطه الاجتماعي، وحبه للعلوم، خاصة الشرعية والأدبية، وقد اختير من قبل الشيخ محمد بن حمد الشرقي رحمه الله، مديراً لدائرة الجوازات بالفجيرة، وفي تقلده للمناصب في بداية تأسيس الاتحاد، كان عضواً في المجلس الوطني الاتحادي، ممثلا لإمارة الفجيرة، وعند تأسيس الحكومة الاتحادية تم تعيينه وزيراً للزراعة والثروة السمكية.

إنجازات كثيرة

وتطرق مدير جامعة زايد للحديث عن مرحلة مهمة من حياة الرقباني، عند توليه وزارة الزراعة والثروة السمكية، بقوله: «كان رجلاً محبوباً من الجميع، وإدارياً من الطراز الرفيع، إذ لعب دوراً فاعلاً في طرح العديد من المشاريع الزراعية كإنشاء السدود وحفر الآبار ودعم المزارعين والصيادين بالآلات والمعدات والأسمدة ومكافحة الحشرات والآفات الزراعية، وإنشاء المختبرات الزراعية والبيطرية ومحطات التجارب الزراعية، وكذلك إصدار العديد من القوانين في الحجر البيطري والزراعي لحماية الثروة الحيوانية والنباتية، وعلى سبيل المثال، فقد كان الرقباني في مقدمة فريق العمل في إعداد فكرة وتنفيذ، وحتى المشاركة في افتتاح سد مأرب باليمن».

رحلة إنسانية

وعن الجوانب الإنسانية والاجتماعية، أوضح الجاسم أن الرقباني محب ووفي لجميع من يعرف، يزورهم ويسأل عنهم، فهو يحترم علاقاته، وأعماله الكثيرة لم تثنه عن السؤال عن غيره أبداً، فظل كتاباً مفتوحاً يقرؤه كل الناس، وكأن لمعرفتهم به قصة مع كل واحد منهم. فأصدقاؤه وأحباؤه وفريق العمل في مختلف المناصب الوظيفية التي عمل بها، جميعهم حظوا بانسجام تام معه.

حب العلم

والرقباني دائماً ما يستذكر أفضال من علموه وغرسوا فيه حب العلم والتعليم، وكذلك من كانت لديهم أفكار ومبادرات خاصة، ويرى مآثرهم دائماً في حياته التي لا يزال ينهل منها إلى الآن. وأشار الجاسم إلى أن الرقباني كان من المقربين إلى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لكونه تولى أهم الوزارات التي تمس حياة الإنسان الإماراتي مباشرة ودولة الاتحاد في بداياتها، إلى جانب معرفته بشريحة واسعة من أبناء الوطن العاملين في هذه المهنة، خاصة وأن الشيخ زايد طيب الله ثراه - كان يحث على تنمية الثروة الوطنية والنهوض بالقطاعين الزراعي وصيد الأسماك، والمحافظة على المخزون الجوفي للمياه.

دول عربية

أحب الرقباني السفر، وتجده يسافر كثيراً برفقة عائلته التي كان لها النصيب الأوفر من الاهتمام والرعاية رغم المسؤوليات الجسام، وفي بعض الأحيان يسافر مع أصدقائه. وهناك دول مفضلة بالنسبة له، وهي عربية وتحديداً الأردن ومصر وسوريا ولبنان، إلى جانب دول الخليج ولندن.

لا ندم

وأكد الجاسم أن «بومحمد» لا يندم على قرارات اتخذها في حياته، وإن كان يعيد صياغتها وترتيبها. كما يفتخر بأحلامه التي حققها وجلّها في العمل الخيري، أما الصحافة فعلاقته بها جيدة، فهي نافذة اتصال يتحدث منها، حيث يتلخص موقفه منها بأنها عمل كبير وخطير فإن وظفت لخدمة الناس والوطن كانت ممارستها فضيلة، وإن وظفت لغير ذلك أصبحت أداة خطيرة.

تركة ثقيلة

واختتم الجاسم أن الرقباني تقلد مناصب ومسؤوليات عدة في مجالات مختلفة، كما لديه إسهامات متنوعة، ويأتي ذلك جلياً من خلال استثمار رصيد خبرته بالاهتمام والمتابعة والمشاركة في العديد من القضايا التي تهم المواطنين، من رئاسته لجمعية الفجيرة الخيرية وإصلاحه لذات البين، فمشاريع الرقباني لا تهدأ ولا تتوقف في توسيع أنشطة الجمعية وبرامجها. فضلاً عن مشاركته ومواقفه إلى جانب الكثير من القضايا الوطنية من خلال قربه من المواطنين والوقوف على العديد من قضاياهم وتلمس احتياجاتهم.

أهم المناصب

شغل سعيد الرقباني وفي كثير منها لا يزال، جملة من المهام والوظائف نذكر منها: مدير دائرة الجوازات والجنسية بإمارة الفجيرة من عام 1968 حتى 1972. وعضو المجلس الوطني الاتحادي في أول تشكيل له عام 1972 وحتى يناير 1977. وقد عين وزيراً للزراعة والثروة السمكية سنة 1977 حتى عام 2006. وعين مستشارا خاصا لصاحب السمو حاكم الفجيرة منذ عام 2006. وهو نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الفجيرة لتنمية المناطق. ورئيس مجلس إدارة جمعية الفجيرة الخيرية منذ تأسيسها عام 1987. ورئيس مجلس أمناء كلية الفجيرة. وعضو مجلس أمناء جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا. وفي مجالات متعددة ومن جهات مختلفة محلياً ودولياً، حصل الرقباني على تكريم وجوائز متعددة، توضح بجلاء قيمة الاسم والمسمى، وحضوره الشخصي في وقت لا يخلو من الصعوبة.

 

 

مُحارِب من أجل الوطن سلاحه الخير والعطاء

 

حظي الرقباني بشهادات كثيرة من شخصيات كبيرة، نذكر منها رأي معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، الذي قال عنه: هو واحد من المواطنين المخلصين لوطنه، ومن مؤسسي كيانات الدولة منذ قيام الاتحاد جنباً إلى جنب مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

وقال: إنه قيادي متميز وله خبرة طويلة وعميقة بمجريات وزارة الزراعة والثروة السمكية (سابقاً)، إذ استثمر 39 عاماً من الخبرة الإدارية في الوزارة، لتنعكس إيجابياتها على مسميات كثيرة. فضلاً عن تميزه بحسن الخلق والحس الوطني العالي، والتواضع والجد والاجتهاد.

وأضاف معالي الشيخ نهيان: هنا يكمن المعنى الحقيقي لوجود الرقباني في جمعية الفجيرة الخيرية، منذ تأسيسها ولا يزال. فهذا العمل التطوعي في الجمعية قد رافق مسار حياته، فلم يكن تفرغه له في النهاية هبوطاً عليه من الخارج، بل كان إنضاجاً لتجربة عاشها بكل ما يملك من حماس ورغبة منذ البداية، ربما منذ بداية تشرُّبه لقيم العمل الإنساني في بيت العائلة (المجلس الوطني الاتحادي).

وفي الإطار ذاته، قال محمد سعيد الرقباني عضو المجلس الاتحادي: والدي الرقباني لم يتصور نفسه إلا محارباً، شأن كل الأشخاص المميزين ذوي الجهود التي تترك بصماتها في صفحات كتب التاريخ. كنت أشاهده عن قرب ومن منظار لا يراه سواي، شخصاً آخر، فدائماً ما يردد على مسامعنا - نحن أبناءه - «لقد ولدتم في زمن طيبات الحياة، ونحن عشنا في وقت كانت الطبيعة ضدنا». ومن منطلق هذه الكلمات أجد بأنه لم يكن أقل من الأشخاص العظماء، وقد أحس بقيمة العمل وتحمل المسؤولية، وتجسيد أسمى معاني الإنسانية، فبات كتاباً مفتوحاً للناس الذين أحبهم وأحبوه، لأنه أحبهم وعاش لهم.

وأوضح الرقباني: أفتخر به ليس في كونه والدي، بل لأنه إماراتي أحب وطنه وأخلص له. فهو لم يكن يمثل الفجيرة، بمواقفه وفي الدفاع عن قضايا آمن بها، بل الإمارات عموماً.