تتجلى ساحة الشعر في دولة الإمارات مع اسم شاعرة استثنائية، هي عوشة بنت خليفة السويدي، التي ترددت أشعارها من المحيط إلى الخليج، وتصدر حضورها في مشاركة المرأة الإماراتية لبناء المجتمع عبر مختلف الأدوار.. إنها شاعرة الرعيل الأول، رفدت الشعر العربي والمحلي بقصائدها المفعمة بروح الصحراء، وأصالة الإنسان الإماراتي بما تحمله من مفردات وصور لغوية، وقد اشتهرت في السابق بلقب «فتاة الخليج»، وفي العام 1989 أرسل إليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ديواناً شعرياً، كتب في أولى صفحاته، أبياتاً شعرية حملت لقباً جديداً لها وهو «فتاة العرب».
بعد أن تلقت عوشة هذه الأبيات، لبت الطلب، وتغير اللقب، وغدا اسم «فتاة العرب» أشهر من (نار على علم) في الوسط المحلي والخليجي.
الدكتورة رفيعة غباش، مؤسِّسة متحف المرأة، تلخص لنا بعض جوانب شخصية عوشة بنت خليفة السويدي «فتاة العرب»، باعتبارها من الموثقين لحياة الشاعرة عبر كتاب من تأليفها، خصوصاً وأن الشاعرة ظلت حاضرة في ذهنها كنخلة باسقة يتساقط من فمها رطب الكلمات.
حياة اليتم
الدكتورة رفيعة غباش عرّجت في حديثها على نشأة الشاعرة وطفولتها، فهي كما تقول من مواليد إمارة أبوظبي عام 1920، وجدّها أحمد بن خلف العتيبة، أما جدتها فهي آمنة بنت سلطان بن مجرن «خالة الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان»، وقد عاشت الشاعرة حياة يتيمة بوفاة والدتها في وقت مبكر، فتزوج والدها في وقت لاحق. ويعد أحمد بن خليفة السويدي وزير الخارجية الأسبق، أحد أهم الرجال المساهمين في بناء الاتحاد، شقيقها من الأب.
بعد زواج والدها، لم تشعر الشاعرة بحالة اليتم تلك، لأن زوجة والدها منحتها دفقاً من حنان الأم ووهبتها عطفاً لا يحصى، لذلك فقد خصتها بالذكر في آخر قصيدة نظمتها.
مفاجأة مفجعة
وقالت غباش إن الشاعرة تزوجت من ابن عمها الذي توفي في سن مبكرة، وأنجبت منه ابنتها حمدة، التي كانت مثالاً استثنائياً للبر والعطاء، وقد تزوجت ابنتها من رجل الأعمال المعروف خلف الحبتور، وحباهما الله بإنجاب البنين والبنات. كذلك سافرت الشاعرة إلى قطر بعد وفاة زوجها، واستقر بها المقام هناك وسكنت بالقرب من مقبرته. ومن المفاجآت المفجعة التي تحمل في طياتها الكثير من الدهشة والإثارة، أن أحد السكان أشار إلى قبر رجل مات غرقاً قرب سواحل قطر، وتبين بعدئذٍ أنه قبر زوج الشاعرة عوشة بنت خليفة ووالد ابنتها حمدة الذي كان يعمل طواشاً في تجارة اللؤلؤ.
بين الحل والترحال تشتت حياة الشاعرة، فبعد أن عاشت طفولتها في أبوظبي، أقامت في ما بعد في مدينة العين التي قضت سنوات طويلة فيها، عدا الفترة التي قضتها في قطر والتي تصل إلى 15 عاماً، ثم انتقلت إلى دبي أواخر الثمانينات. وخلال استقرارها المؤقت في قطر، حرصت بين الفينة والأخرى على زيارة جدتها في دبي، وحاولت البدء بتجارة العود والعطور، وبعدها تجارة المجوهرات مع عائلة الفردان.
مكانة استثنائية
انتقلت الشاعرة في وقت لاحق إلى دبي، هذه المدينة التي استحوذت على مكانة استثنائية من قلبها، لأن جدتها آمنة بنت سلطان بنت مجرن من سكان دبي، وهو ما هيج قريحتها الشعرية، فتغزلت بدبي في قصائد عدة، وقد تساجل معها شعرياً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لأكثر من عشر سنوات منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى نهاية التسعينات.
واستطردت الدكتورة رفيعة غباش: لا مبالغة في إطلاق وصف (المرأة المثالية) على الشاعرة عوشة، لاسيما وأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أوضح في تدوين لسموه «أن فتاة العرب مثال للأم الاستثنائية التي لم يكن تأثيرها على أبنائها فقط، بل تعدى ذلك ليطال كافة أبناء الوطن بأدبها وحكمتها وشعرها».
ظهر الفرس
تمتعت الشاعرة عوشة بنت خليفة بالإرادة القوية، وقد تمسكت بحبل العادات والتقاليد الوثيق، إذ تعلمت ركوب الخيل في طفولتها، وهي تمتلك براعة في امتطاء ظهر الفرس وقوفاً، ويبدو أن أصالتها الضاربة في الجذور مكنتها من الركوب على ظهر الجمل بطريقة غير عادية (معاكسة)، إذ تعطي ظهرها لرأس الناقة على غير العادة، وشجاعتها هذه كانت مصدر قلق لأهلها.
وكانت الشاعرة في الطفولة تأخذ الكثير من رسائل والدها تتأملها، واجتهدت بشكل ذاتي على نفسها إذ كانت تكتب على الجدران بواسطة الفحم القديم، وتنقل ما تحمله الرسائل من حروف متعلمة بذلك أبجديات اللغة.
رصدت غباش خلال زياراتها المتكررة للشاعرة عوشة، بعض المشاهدات السريعة، أبرزها أنها ما زالت مشرقة في طلتها، ودودة كثيرة الترحاب، ابتسامتها في المقدمة، وجهها يوحي بالتجربة العميقة، صوتها خافت ينقل لسامعه تجربة إنسان مفعم بالأحاسيس والمشاعر، ومجرد ترديد بعض أبيات الشعر القديمة، فذلك كفيل بنهوض ذاكرتها مرة أخرى.
رحلة قطر
حظيت الدكتورة رفيعة غباش بفرصة التعمق إلى حياة الشاعرة بشهادة ابنتها حمدة، فمن أهم المحطات التي توقفت عندها، رحلة قطر في ستينات القرن الماضي، إذ تحرك من أبوظبي مركبان كبيران واحد للنساء وآخر للرجال، وأثناء رحلة السفر تعطلت السفينة، فنزل الجميع إلى جزيرة دلما ومكثوا فيها نحو ثمانية عشر يوماً في ضيافة فهد الدوسري أحد سكان الجزيرة، وأكمل أحمد بن خليفة السويدي شقيق الشاعرة رحلته إلى قطر من أجل إحضار قطع بديلة لإصلاح السفينة في السفينة، وبعد عودته واصل الجميع مسيرهم نحو قطر، وكان موعد الوصول في المساء، وقد تلألأت أنوار المصابيح بيد السكان المنتظرين على الشاطئ، وهناك استقر أفراد العائلة نحو 15 عاماً.
ابتلاع القمر وشهادات «غير مجروحة»
قالت الدكتورة رفيعة غباش إن الشاعرة عوشة حظيت بإعجاب كبير من كافة أفراد أسرتها، وفي مقدمتهم ابنتها حمدة وأحفادها، الذين كانت لهم شهادة «غير مجروحة» في هذا الصدد، إذ تقول حفيدتها آمنة الحبتور، إن جدتها عوشة شخصية اجتماعية تحافظ على صلة الرحم، ولا تغفل دور التواصل الإنساني، وتسعى لردم الفجوات بين الجيران والأقارب، وهي لا تمكث أكثر من ساعة في مكان واحد، ويومها يبدأ بزيارة بيت ابنتها حمدة في دبي، ثم تتجه إلى العين أو أبوظبي استئنافاً لسلسلة زيارات للأهل والأصدقاء، ثم تعرج على بيت ابنتها ثانية، قبل أن تعود إلى البيت، ويبدو أن الشاعرة حسب ما أكدت حفيدتها آمنة، تُثمن الوقت وترغب في استثماره قدر المستطاع، ولا تحتمل رتابة الأحاديث والحياة من حولها باعتبارها شخصية موهوبة وذكية.
قصيدة
وتابعت: من المواقف التي ذكرتها ابنتها حمدة حين كانت في سن العاشرة تقريباً، أن والدتها عوشة كانت تعطيها قصيدة مكتوبة، فتركض بها من البيت على البحر إلى الحصن، وهو مقر إقامة الشيخ شخبوط حاكم أبوظبي آنذاك، وبعد أن يتسلمها يكافئ الطفلة حمدة بمبلغ عشرين روبية أو خمسين، ثم تعود إلى البيت فرحة بما ظفرت، ومن تلك الحقبة انطلقت أشعار عوشة إلى فضاء الخليج بصورة غير مسبوقة، مختتمة مسيرتها الشعرية الحافلة بقصيدة بعنوان «الغفران»، مناجية ربها بمفردات ضياءها النور.
حلم الطفولة
بقي أن نقول، إنه وفي لقاء جمع غباش بعوشة السويدي، أفصحت الشاعرة عن حلم راودها في الطفولة، فحواه أن القمر نزل على وجهها وابتلعته حتى نزل من فمها وأنفها وشع نوره في داخلها، فأخبرت والدها بالحلم، الذي سأل بدوره أحد الشيوخ من منطقة ليوا، فأجاب الشيخ: سيهب الله عوشة علماً يضيء كما أضاء القمر.
رؤيا
وعند زيارتها لمكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وبعد عودتها من الكعبة مؤدية صلاة الفجر، نامت عوشة السويدي ورأت في منامها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فبكت خوفاً ورهبة من رؤيتها تلك، كما قالت.





