عبدالغفار حسين ذو حس ثقافي واقتصادي واجتماعي وإداري.. إنها جوانب عدة وخبرات متنوعة تفاعلت مع بعضها البعض فصقلت شخصية ذات ثقل في المجتمع الإماراتي. تلك المكانة لم تأتِ عبثاً، بل بفعل اجتهاد والتزام وثقافة وعلم، في وقت لم تكن فيه الإمكانيات ووسائل التعليم تسمح بذلك، فضعف وسائل التواصل والاتصال، وشح مصادر الاطلاع، وغياب المكتبات، كلها أمور كما يبدو لم تعثّر طموح عبدالغفار ورغبته الذاتية في صقل شخصية علمية وثقافية، أضحت اليوم أحد المراجع الأساسية التي يشار إليها بالبنان في دولة الإمارات.

ما سبق يؤكد بجلاء أن عبدالغفار حسين استطاع أن ينتزع لنفسه شخصية عصامية الفكر والأداء، طموحة العمل والبناء، كيف لا وهو الذي أثبتت للملأ أن طلب العلم وتبني الثقافة، والسعي إلى تكوين قاعدة معرفية وعلمية واسعة، كل ذلك يبقى طموحاً مشروعاً وقادراً على قهر الظروف مهما كانت.. هكذا بدأ علي عبيد الهاملي مدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام، حديثه عن الأديب عبدالغفار حسين.

حياته العملية

أضاف علي عبيد أن عبدالغفار حسين، بدأ حياته موظفاً في بلدية دبي بداية تأسيسها عام 1957، وتدرج في مناصب عدة، واكتسب خبرة واسعة، حتى وصل إلى منصب نائب مدير البلدية بدرجة مدير، ولا يخفى على أحد أن تلك المرحلة كانت من أبرز المراحل التي تم فيها تخطيط إمارة دبي، ووضع أسس البناء الصلبة لها، على يد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراه.

وبعد 22 عاماً من النجاحات في بلدية دبي، ودّع عبدالغفار حسين مقعد الوظيفة وتفرغ للتجارة والثقافة، وأصبح من رجال الأعمال والاقتصاد في الدولة، على عكس كثير من الأشخاص الذي ينتهي ظهورهم في المجتمع بمجرد انتهاء مهامهم الوظيفية.

ولم يحتكر عبدالغفار مهامه أثناء عمله في بلدية دبي على واجباته الوظيفة، فكانت له إنجازات وإسهامات أخرى كثيرة، من أهمها مشاركته في اللجان التمهيدية لقيام اتحاد الإمارات، إذ كان عضواً في لجنة البلديات والأراضي والأملاك والإعلام، وأنيط بهذه اللجان مسؤولية وضع الدراسات والأسس لقيام الدولة، والتخطيط والتنسيق بين الدوائر المحلية، وانعكست أصداء تلك المهام في قيام اتحاد متكامل ومتين منذ أيامه الأولى.

سمات الشخصية

عبدالغفار حسين شخص صريح ومباشر، ولا يعرف المجاملة، ويوجه الانتقاد المباشر حتى إلى أصدقائه المقربين، سواء في أعمالهم الأدبية أو في محاضراتهم وكتبهم، وقد يختلف معهم بشكل كلي في وجهة نظر، لكنه لا يأخذ الموضوع بشكل شخصي، ولا يحول موضوع النقاش أو اختلاف وجهات النظر إلى نفور وعداوة، وسريعاً ما تعود علاقته الودية والمتواضعة مع الآخرين إلى قمتها فور انتهاء النقاش، إضافة إلى ذلك فهو لا يعارض فكرة أو مبدأ ما، ولا ينتقد إلا إذا برهن على وجهة نظره بأدلة دامغة، ولعل اختلافه ومناقشته للآخر، يبقى نموذجاً في الاختلاف الإيجابي، وما يميزه كذلك تواضعه مع الصغير والكبير، فهو لا يفرق بين سن أو جنسية، وتجده يمنح الصغير الكثير من وقته إذا أراد رأيه ويوجهه ويعامله بأسلوب الكبار.

وقال علي عبيد: مما يميز شخصية عبدالغفار حسين، أنه قارئ نهم يقرأ في مختلف المجالات، ويركز في قراءاته على تاريخ الإمارات بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، يساعده في ذلك أنه يقرأ في اللغة العربية والإنجليزية والفارسية والأردو، فتعدد هذه اللغات جعل من شخصيته مطلعة على تاريخ المنطقة، ولديها معلومات غزيرة، لذلك تجده عندما يتحدث عن المنطقة بشكل عام، دائماً يدعم حديثه بأدلة وشواهد من كتب ألفها أجانب أو بعض أبناء المنطقة.

شغوف بالثقافة

وأوضخ عبيد أن عبدالغفار حسين معروف بشغفه بالكتاب، وله الفضل في تأسيس العديد من المؤسسات الثقافية في الدولة، وخصوصاً دبي، إذ ساهم في تأسيس المكتبة العامة التي من خلالها تم إصدار أول مطبوعة أسبوعية منتظمة في الإمارات، وهي مجلة (أخبار دبي) التي تحولت بعد ذلك إلى مجلة أسبوعية، وساهمت في نشر الثقافة وإبراز العديد من الكتّاب وحفزهم على تطوير قدراتهم من خلال نشر مقالاتهم، ولم تستثنِ في ذلك أحداً، فكان لها الفضل حتى على طلبة المدارس، وكذلك ساهم عبدالغفار في تأسيس «متحف الفهيدي» سابقاً، الذي يطلق عليه «متحف دبي» حالياً، وكانت حينها ثقافة المتاحف غير موجودة لدى العديد من الدول، وإلى جانب ذلك، يحتفظ حسين بإسهامات عديدة في تأسيس المجمع الثقافي، فقد كان يكتب في مجلتها بنشاط ملموس، وتناول عدداً كبيراً من السير الذاتية لأشخاص لهم إنجازات في الماضي.

بصمات عدة

وأكد علي عبيد أن عبدالغفار حسين لم يترك مجالاً من مجالات الثقافة إلا وكانت له إسهامات وبصمات فيه، وإلى جانب أعماله في المؤسسات الثقافية أسهم عبدالغفار في تأسيس اتحاد كتاب الإمارات الذي كان أول رئيس له ولمدة أربع سنوات، وساهم كذلك في تأسيس مجلس أمناء جائزة العويس الثقافية والذي ترأسه مجلسها لـ16 عاماً منذ بداية التأسيس، وكذلك الحال في إسهاماته الكبيرة ودعمه لتأسيس جمعية حقوق الإنسان في الإمارات، والذي يترأس مجلس إدارتها منذ تأسيها عام 2006، إضافة إلى حضوره الطاغي والفاعل في ندوة الثقافة التي يثريها بمعرفته ونقاشاته.

في خضم هذه الأنشطة الثقافية ندرك أن لعبدالغفار حسين حضوراً طاغياً وفاعلية كبيرة، لا يمكن لأي شخص أن يؤرخ لنشأة المؤسسات الثقافية والاجتماعية في دبي والإمارات عموماً، إلا ويذكر إسهامات عبدالغفار حسين الإيجابية والممتدة في هذا المجال.

شخصية وطنية بامتياز

حصد عبدالغفار حسين العديد من الأوسمة والجوائز، لعل من أرفعها وأكثرها قيمة لديه، وشاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي قال عنه أثناء تقليده الوشاح «إنه شخصية وطنية بامتياز»، وأثنى على تفانيه بالنزاهة والشرف. فوشاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وكلماته أكبر وسام يحصل عليه عبدالغفار حسين يغنيه عن شهادة الآخرين، إضافة إلى ذلك يعد عبدالغفار حسين من أوائل الشخصيات التي حصلت على جائزة العام الثقافية التي تقدمها ندوة الثقافة والعلوم، وإلى جانب ذلك، حصد عدداً من الجوائز والأوسمة، كما أنه أثرى الساحة الأدبية والثقافية بالعديد من المؤلفات والموضوعات والمقالات المتخصصة. «على نفقته الخاصة».. جملة تؤكد حقيقة الدعم لديه

 

قدم عبدالغفار حسين إنجازات وإسهامات مشهودة في مجالات مختلفة، وخصوصاً في الجانب الثقافي الذي ظل يدعمه بحرص كبير، ولم تقتصر إسهاماته على نشر الثقافة والأدب والتأريخ وتقديم الانتقادات، وإنما تعدت ذلك إلى تقديم الدعم المادي والمعنوي.

تبرع بمنزل

ويذكر علي عبيد أحد المواقف التي تدل على حرص عبدالغفار حسين وقناعته بدعم الجانب الثقافي، ذلك عندما كان أعضاء مجلس دبي الثقافي في أحد اجتماعاتهم لطرح أفكارهم ومناقشة خطط العمل، وعلموا أن فرقة مسرحية كانت تنوي المشاركة في أحد المهرجانات العربية، لكن الدعم المادي المتوفـر لـن يغطي تكلفة مشاركة كافة أعضاء الفرقة، ما جعلها تتوجه إلى طلب المساندة من صندوق مجلس دبي الثقافي للحصول على الدعم، وعندما أدرك عبدالغفار حسين الوضع وكان حينها يرأس المجلس، تكفل بتكلفة مشاركة الفرقة على نفقته الخاصة.

ومن إسهاماته كذلك، مبادرته في التبرع بمنزل له في دبي، ليكون مقراً لجمعية الإمارات لحقوق الإنسان، والتي برزت نشاطاتها وإسهاماتها على الصعيدين المحلي والعالمي منذ انطلاقها عام 2006.

كرسي الأدب

ومؤخراً أسس عبدالغفار حسين «كرسي عبدالغفار حسين للأدب العربي» في جامعة زايد، ويعتبر هذا الوقف دعماً كبيرا لحركة الأدب العربي واللغة العربية، خصوصاً وأنه أول من بادر بتأسيس كرسي للأدب العربي في جامعة محلية، كما أن جامعة زايد هي أول جامعة حكومية في الإمارات تؤسس وقفاً تعليمياً، وهي تعمل بهذا على تكريس تقليد عالمي يوثق أواصر العلاقة بين الجامعة والمجتمع، ليس بهدف تعزيز الموارد المالية للجامعة فقط، وإنما بهدف تعزيز الشراكة بينها وبين أفراد المجتمع وقطاعاته المختلفة.

وبذلك؛ عبدالغفار حسين يرسخ مبدأً لا يحيد عنه، وقد عرف عنه أنه لا يختزل علمه وحصيلته الثقافية والعلمية والمعرفية لنفسه، بل يحرص على أن يصل هذا العلم إلى المجتمع من خلال مقالاته ودراساته وتحليلاته ومشاركاته ودعمه وحتى انتقاداته الكثيرة.