الشاعر حمد خليفة بوشهاب، رحمه الله، قامة شعرية وأدبية ثرية.. أحد عشر عاماً مضت على الرحيل، وذكرى الشاعر لا تزال محفورة في قلوب الشعراء كافة، والنخبة والعامة، وفي قلوب الأصدقاء والمقربين حتماً، وفي مقدمتهم الشاعر سيف السعدي مدير تحرير مجلة «جواهر»، الذي خشي في حديثه معنا عن بوشهاب، عدم إنصاف قامة شعرية بهذا العلو، مهما تحدث وأسهب، كيف لا وهو يتحدث عن صاحب الفضل في فرز جيل من الشعراء.

الشاعر حمد بوشهاب كان بدرجة وزير مفوض في وزارة الخارجية، وعضو في لجنة التراث والتاريخ، وكان من الشعراء المقربين للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة، طيب الله ثراه، وثمة مساجلات شعرية كثيرة جمعت بينهما، وقد قال الشيخ زايد رحمه الله مخاطباً بوشهاب: «بوشـهاب» معنا مصدر وجـود واضـح وبارز فـي الإمـارات.
وأشاد زايد طيب الله ثراه من خلال البيت السابق بحمد بوشهاب، الذي كان أيضاً من الشعراء المقربين لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهناك مساجلات شعرية أخرى جمعت بينهما في كثير من المناسبات. وأشاد سموه بمكانة بوشهاب الأدبية في قلبه وقلوب أبناء دولة الإمارات كافة. ووفاءً من سموه، فقد أمر بإبقاء اسم الشاعر الراحل على صفحة الشعر التي تصدر صباح كل يوم أحد في صحيفة (البيان)، كونه المؤسس لها، وقدم عبر صفحة الشعر تلك نجوماً يشار إليهم بالبنان، وهذا التكريم المخلد يعكس مدى اهتمام الدولة وقادتها الأوفياء بالمخلصين من رجال الإمارات.
محاكمة صارمة
استرسل السعدي في ذكرياته الأولى مع صفحة الشعر، وقال: محاكمة بوشهاب الصارمة للنص الشعري، منعتني من تسليم القصيدة باليد مباشرة رغم قرب مبنى جريدة «البيان» من بيتي، وقد كنت أرسلها عبر البريد تفادياً للاصطدام بانتقاده الشديد للقصيدة، وهذا لسان حال الكثير من الشعراء، إذ كان يضعنا في تحدٍ مع النفس لإثبات الأفضل. وأثناء كتابة النص كان يتراءى في مخيلتنا بوشهاب دائماً، وقد أدركنا جدوى هذا التعامل الحاد لاحقاً، عندما صُقلت مواهبنا الشعرية. وأضاف: كون الراحل حمد بوشهاب الشخص المسؤول عن نشر القصائد في صحيفة البيان، فقد اعتبر الجميع أن النشر في صفحة الشعر آنذاك بمثابة شهادة أكاديمية معتمدة، لذلك كانت السعادة تغمرني عند نشر إحدى قصائدي، وكنت أشتري فرحاً نحو 20 نسخة وأوزعها على الأهل والأصدقاء.
اللقاء الأول
بعد تخوف السعدي كثيراً من لقاء حتمي مع بوشهاب، كان اللقاء الأول لهما مطلع الثمانينات، وسريعاً تبدد الخوف القابع في داخل السعدي بفضل حفاوة بوشهاب وإشادته به، ما منحه دفعة معنوية كبيرة، مشيراً إلى أن الشاعر الحقيقي لا يشبه إلا نفسه تماماً كبصمة اليد.
بوشهاب من الشعراء الذين تميزوا في كتابة الشعر الفصيح إلى جانب النبطي بمستوى مماثل، وهو ضليع في اللغة بالرغم من عدم تلقيه التعليم النظامي، وإنما تعب على نفسه وثابر، إلى حد تراه قد يتجادل مع أكاديميين في اللغة عن معرفة، وإذا سمع بزيارة عالم أو فقيه تجده يحرص على حضور الندوة أو المحاضرة للاستزادة، كما أن معرفته وإلمامه باللغة، حفزاه إلى الإبحار في الفقه والدين، باعتبار أن القرآن الكريم هو المصدر والأساس والأصل في قوام اللغة.
وقع في خلافات
واستطرد السعدي: بالتأكيد؛ تزخر الإمارات بشخصيات لا حصر لها تهوى العمل الإنساني وتحب الخير للناس، ولعل بوشهاب رحمه الله، واحد من الذين لا تعلم شمالهم ما تنفق يمينهم، فهو رجل محسن لا يتحدث عن صنيعه مطلقاً، وينصف خصمه، وإن لم يكن حاضراً يتحدث عنه بالخير لا بالشر. وقد وقع في خلافات مع أصدقاء له نتيجة صراحته المفرطة، وبمروءته لا يملك وجهين، يقول الحق وإن كان على نفسه، وقد اعترف مراراً بأن صراحته كثيراً ما أوقعته في مشاكل ولكن بعد فوات الأوان.
لسان تيس!
تأبى ذاكرة السعدي أن تبرح بعض المشاهد التي عايشها عن قرب بصحبة بوشهاب، الذي رافقه في مناسبات وتظاهرات اجتماعية عدة، وفي إحداها وبينما الجميع منشغل بتناول الطعام، همّ أحد المتحلقين حول سفرة الغداء بكسر رأس «الذبيحة» كنوع من التقليد المتعارف عليه في الإمارات وبعض من دول مجلس التعاون الخليجي، وصرخ الرجل أنه يجب على بوشهاب أن يتناول اللسان كونه شاعراً، وألح بطلبه هذا، ما جعل بوشهاب يرد عليه قائلاً: «إنه مجرد لسان تيس لا لسان المتنبي»، فكان رحمه الله يتمتع بسرعة بديهة، ولا يتكلف في النكتة.
العصا والأبناء
وفي ما يتعلق بتربية الأبناء والاهتمام الأسري، أكد السعدي أن بوشهاب كان من الحريصين على اصطحاب أبنائه إلى المسجد أثناء الصلاة، فتراه ممسكاً العصا بيده، مهتماً بصلاة الأبناء مع الجماعة في المسجد، وتجده كذلك حريصاً على تعليمهم العلوم الدنيوية وعلوم الدين معاً، وحتماً فإن ذلك ساهم في الارتقاء بطموح وتعليم الأبناء الذين تخصصوا في مجالات عصرية وحيوية متميزة، وتبوأوا لاحقاً مناصب وأماكن مرموقة في المجتمع نتيجة التربية المثلى. نجله أحمد حمد بوشهاب تعلق بالشعر، وهو من شعراء الشعر الفصيح والنبطي، أسوة بوالده رحمه الله، وهو الأصغر بين إخوانه الذكور في تسلسل الأبناء. ومن عاصر بوشهاب، يدرك أن نجله أحمد كان أكثر الأبناء التصاقاً بأبيه يرافقه إلى المجالس والمناسبات دائماً، كما يؤكد السعدي.
لحظة فراق
حتى هذا اليوم، لم يستوعب السعدي خبر وفاة بوشهاب، يُخيّل له أنه سيدخل من الباب مرة أخرى، لحظة لا تزال عالقة في الذهن وتأبى أن تغادر، هو من الأشخاص الذين لا يموتون في داخل النفس، ولم يتمكن الموت منه وإن ذهب بجسده. واستطرد قائلاً: قبل الوفاة بأيام، كان بوشهاب على موعد لمراجعة الطبيب في الخارج، ونزلنا سوياً من مبنى صحيفة (البيان) في آخر يوم عمل قبل السفر، ودع الجميع وأنا كنت آخر المودعين، وقد انتظرته بالقرب من السيارة، وفي تلك اللحظة عانقني بحرارة وقوة، وإثر هذا العناق الحار وقع «العقال»، وفي تلك اللحظة تسلل إلى داخلي شعور بالقلق والخوف لم أفصح عنه، هذا المشهد يتكرر في مخيلتي باستمرار ولا أستطيع نسيانه. وتابع: أوجست من ذلك اليوم خيفة مما يخفيه القدر، ولم يخب حدسي هنا، وليته خاب!
إذ تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد الأصدقاء، مفاده أن بوشهاب وأثناء إلقائه القصيدة أمام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، سقط أرضاً، ونُقل إثر ذلك إلى المستشفى لتلقي العلاج. وكانت إرادة الله هي الأقوى، فبعد أيام قليلة انتقلت الروح إلى بارئها، ووري جثمانه الثرى، لقد رحل بوشهاب إلى الرفيق الأعلى، له الرحمة والمغفرة بإذن الله.
أول مقدم برنامج
قال سيف السعدي: إن حمد بوشهاب يعد أول مقدم لبرنامج شعر شعبي على مستوى الإمارات، وهو برنامج «مجالس الشعراء» الذي كان يبث من خلال تلفزيون الكويت الذي كان يعمل من دبي، أيام الأبيض والأسود، وكان يجمع نخبة من أفضل شعراء الدولة في تلك الحقبة، منهم الشاعر محمد بن سوقات رحمه الله، الذي قدَّم البرنامج في ما بعد. وطالب السعدي تلفزيون دبي بالعمل على توثيق هذا الكنز الشعري الشعبي، لأنه لو فقدت تلك الأشعار المسجلة والمصورة، حتماً سنفقد معها الكثير من موروثنا الشعري الأصيل.
ما لا يعرفه الكثيرون عن «بوشهاب»
من السمات التي أبرزها لنا سيف السعدي، وقد امتاز بها بوشهاب، أنه رجل مرح يحب المزاح كثيراً، والمثير أنه يمازح الآخرين ويطلق «النكات» الساخرة ولا يضحك، في حين يتعرض من حوله إلى حالة هستيرية من الضحك.
خطأ بوشهاب
أخطأ بوشهاب في اعتقاد السعدي، لأنه لم يكتب في الأدب الساخر نثراً أو شعراً، وهو يجزم أن قلمه لو استل في هذا القالب الفكاهي لأبدع وتألق، وتلك حقيقة لا يعرفها الكثيرون، لاسيما وأنه يحفظ القصص الساخرة القديمة التي كان يتداولها الأجداد في الماضي، منها قصة الغريب والشاب على خور دبي.
إحراج الضيف
ومن المواقف التي ذكرها السعدي، موقف تعرض له أثناء تأسيس دار الصدى للطباعة والنشر، حين أتى إلى المبنى القديم شاعر متأبطاً ملفاً بحجم ملف القضية الفلسطينية، يحتوي على أشعار لا ترقى للنشر، ووجد نفسه واقعاً في مأزق كون الزائر ضيفاً ويجب إكرامه لا إحراجه، ودخل بوشهاب المكتب، ما أثلج قلب السعدي كونه سينقذه من تلك الورطة، وعندما اطلع على نصوص الضيف الشعرية، رد بصريح العبارة «الله يعينك على هذه المصيبة».
ماء ساخن
وفي شتاءً بارد، طلب حمد بوشهاب كوب ماء، وعندما أتى العامل بالكوب، شعر بوشهاب أن الماء في غاية البرودة، فرد على العامل طالباً منه إحضار ماء دافئ، فذهب وأحضر كوباً آخر وضعه على المكتب، ولحسن الحظ أن بوشهاب أنه تمهد قليلاً قبل شربه، إذ كان الماء شديد السخونة لدرجة أنه يغلي من الحرارة.
وقال بوشهاب حينها: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»، مردداً سامحك الله يا محيي الدين، هذا هو «المهل الذي يغلي في البطون وليس الماء الدافئ الذي طلبته».



