من رمال صحرائها ومن واحات نخيلها، ومن أفلاجها، رشفت ماء عذباً، ومن قيمها ومبادئها ومكنوز تراثها، ومن سليل نسبها، جاءت لتروي لنا، ونسمع لها، تواصل حمل الراية وتكتب للأجيال حكاية، حكاية بر بالوالدين.. من تعاليم ديننا، ومن وصايا نبينا، ومن القيم الإنسانية النبيلة، انطلقت الشيخة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، لتسجل كلمات مضيئة في مسيرة حياة والدها المغفور له الشيخ محمد بن خالد آل نهيان. في البداية تقول الشيخة شما: أن يكون الإنسان مبدعاً هو غاية الكمال، والله وحده هو الكامل، ولا يبقى لنا سوى شرف المحاولة، محاولة الارتقاء إلى مراتب الإبداع، لكن هذا الارتقاء يتطلب منا أن نتحمل الاكتواء بنار البحث عن المعرفة، حيث نار المعرفة هي التي تمنحنا نور العقل الذي يضيء لنا زيت القنديل القادر على تبديد ظلمات الجهل.
أمنيتي كما تضيف، أن يكون الوطن في القلب دائماً، وأن يظل ساحة للشراكة القائمة على الحب. فمن خلاله رؤيتها التي تحمل إستراتيجية مستقبلية واعدة في دولة عصرية تواكب ركب التطور الحضاري وتستمد قوتها من مورثها وتراثها، بادرت الشيخة شما مشاريع خيرية وثقافية وتعليمية ووطنية عدة، تخليداً وبراً منها بوالدها، الذي تستمد منه نسق الحياة.
جذور وطنية
وعن مسيرته تقول: ولد الشيخ محمد بن خالد آل نهيان في قصر الحصن في أبوظبي عام 1942، وهو الولد الوحيد للشيخ خالد بن سلطان آل نهيان، ترعرع وتربى في أحضان والديه، وتمتع بموفور الرعاية والحماية والتنشئة الأبوية الخاصة، وكان موضع اهتمام الجميع وتقديرهم. وكان شغوفاً بالمعرفة والعلم منذ الصغر، وكان التعلم الديني أولى محطاته في سبيل المعرفة، إذ تتلمذ على أيدي كبار مشايخ العلم آنذاك في القراءة والكتابة وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، وقد أتاحت له حياته مع والده اكتساب الخبرات والمعارف الحياتية خلال مشاركته في المجالس الاجتماعية المتنوعة، ومشاركته في الفعاليات الحكومية في تلك المرحلة المهمة من تطور إمارة أبوظبي.
الخيل والصقور
وتضيف الشيخة شما: كان رحمه الله مولعاً بالخيل، وحريصاً على اقتناء أفضلها، والمشاركة في السباقات المحلية وفي الدول المجاورة، وقد اتسمت إسطبلاته رحمه الله بالتميز، والتفرد في الرعاية والتدريب والترويض لهذه الخيول العربية الأصيلة، التي استطاعت أن تسجل مراتب متقدمة في السباقات. وكان الصيد بالصقور من أهم وأحب الهوايات التي كان الشيخ محمد بن خالد يمارسها، وكان رحمه الله يملك أكبر فرق الصيد بالصقور، ويجمع حوله أهم رجالات الخبرة والمهارة من أبناء القبائل والعشائر المعروفة، التي تشهد له بالتنظيم المتميز والقيادة الماهرة في إدارة رحلات الصيد، وتلك هواية غرسها لدى أبنائه الذين كانوا يرافقونه في كل رحلاته، حتى ساروا على نهجه في القنص. ولم يقتصر رحمه الله على الاهتمام بالصيد البري بل كان شغوفاً بالصيد البحري أيضاً.
انتماء وولاء
وتلفت إلى أن الشيخ محمد بن خالد آل نهيان رحمه الله، كان من الدعائم الاقتصادية والركائز الوطنية الأساسية في إمارة أبوظبي، وبعد وفاته تواصلت إنجازاته برعاية الشيخ خليفة بن محمد بن خالد آل نهيان، وبمساندة أشقائه منتهجين نهجه في مسيرته العطرة، فكانوا خير خلف لخير سلف.
وتؤكد أن من تعامل مع شخص الشيخ محمد بن خالد، أجمعوا أنه شخصية إنسانية لا مثيل له، متواضع ورحيم، ومحب لكل الناس. فقد كان يزورهم في مختلف مناسباتهم، ويتفقد أحوالهم، ويحرص على مشاركتهم في مواقف حياتهم متنوعة. وكان له مع كل من عرفه أو صادقه موقف إنساني لا يُنسى من فرط تواضعه وإنسانيته. فقد كان، رحمه الله، إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلا فرق عنده بين أبنائه أو أبناء مجتمعه.
وتكشف الشيخة شما أنه انطلاقاً من حرصها على تكريس ذكرى والدها العطرة، وبراً منها به، فقد حرصت على أن تنفذ عدداً من المشاريع الخيرية والعلمية والثقافية التي تحمل اسمه، يعود ريعها لصالح أبناء وبنات الإمارات، كي تستمر السيرة العطرة والرسالة الإنسانية، وأن يجزيه الله خيراً. وإدراكاً منها لحب والدها لأبنائه وبناته ولأهمية إعداد جيل المستقبل، فقد تم إطلاق مبادرة صناعة القادة بوصفها أسلوباً للتعامل مع المستقبل، وسبباً أصيلاً من أسباب نهضة المجتمعات وتقدمها.
الوعي المعرفي
وتشير إلى دور مركز الشيخ محمد بن خالد الذي تأسس عام 1999 لتحقق رسالة مهمة تتمثل في النهوض بالوعي المعرفي والثقافي في مجتمع الإمارات، وكان المركز من أوائل مؤسسات المجتمع المدني الذي أدرك منذ وقت مبكر، أهمية الشراكة الاجتماعية والثقافية بين مختلف مؤسسات المجتمع، لتحقيق غايات الوطن والمحافظة على هويته الوطنية وتحقيق رؤى بناة الوطن، وقد تجلى ذلك في المحافظة على الدين الإسلامي واللغة العربية بوصفهما جوهر الهوية الوطنية وركيزتها الأساسية، وكذلك المحافظة على التراث الشعبي بوصفه الذاكرة الحية للوطن.
بناء الأجيال
كما تم إطلاق جائزة الشيخ محمد بن خالد آل نهيان للأجيال، لتشجيع ودعم المواهب الإبداعية والفكرية لدى الناشئة والشباب، والمساهمة في بناء جيل قادر على المنافسة وقادر المساهمة في بناء نهضة الوطن في الحاضر والمستقبل، إذ تعد الجائزة ساحة تتبارى فيها المواهب، منذ البدايات الأولى لتشكل القدرات المـعرفية والإبداعـية والحفاظ على الهوية الوطنية من خلال الحفاظ على اللغة العربية ونشرها، وتأصيل القيم الإسلامية لدى الناشئة والشباب من مواطني دولة الإمارات.
لأجل الأطفال
وانطلاقاً من الوعي بأهمية مرحلة الطفولة، كونها من أهم المراحل في بناء قدرات الفرد والارتقاء بإمكانياته الفكرية والمعرفية، فقد تم تأسيس جمعية الشيخ محمد بن خالد آل نهيان لأجيال المستقبل، التي تعد الأولى من نوعها على مستوى دولة الإمارات، فضلاً عن كونها تؤسس مجالاً جديداً من مجالات الشـراكة من أجل الأطفال، بما يساهم في بناء أجيال واعية بحقوقها، وأسر مدركة لواجباتها نحو أطفالها، في ظل بيئة آمنة ومجتمع مستقر.
ركيزة وطنية
كان الشيخ محمد بن خالد آل نهيان رحمه الله، من الركائز الوطنية الأساسية في مسيرة إمارة أبوظبي عبر خمسة عقود من الزمن قضاها في البر والتقوى وخدمة الوطن، فقد كان ممثلاً للحاكم في جبل الظنة أوائل الستينات، ونائب رئيس الدائرة المالية عام 1966م، وعضواً في مجلس التخطيط عام 1968م، ورئيساً لدائرة الجمارك والموانئ عام 1969م، ووزيراً للمواصلات، التي تشمل دائرة الموانئ ودائرة البريد ودائرة الطيران المدني عام 1971م، ثم رئيساً لدائرة التنظيم والإدارة، ورئيساً لمجلس الخدمة الوطنية.
أجيال المستقبل في مقدمة أولويات البناء
أنشئت مكتبة أجيال المستقبل، كأول مكتبة في مدينة العين، تهدف إلى تنمية مهارات القراءة لدى الأطفال، والمساهمة في الارتقاء بأبناء الوطن ثقافياً وتربوياً وحضارياً، من خلال برامج وخدمات تعمل بفعالية لتأمين أفضل المصادر المعرفية المناسبة، بهدف أن تصبح القراءة عادة يومية وأسلوب حياة، وأن تكون مكتبة أجيال المستقبل منارة ثقافية تهتم بنشر المعرفة لدى الأطفال والناشئة، وذلك من خلال تنمية مهارات القراءة والاطلاع، بما يسهم في زيادة حصيلتهم اللغوية والمعرفة، وشغل أوقات فراغهم وحشد طاقاتهم كي يكونوا قادرين على مواجهة تحديات العولمة الثقافية وجعلهم قوة مؤثرة في أحداث نهضة ثقافية وحضارية للوطن.
كما تم إطلاق جائزة برنامج الشيخ محمد بن خالد آل نهيان للقراءة، التي لا تهدف فقط إلى تشجيع الأطفال والناشئة على عملية القراءة بل تسعى في الوقت نفسه، إلى دعم وتشجيع كل الجهود المخلصة التي تعمل على نشر ثقافة القراءة، وخلق قدوة قارئة. سواء في المدرسة، أو في الأسرة، فتكاتف هذه الجهود وتعاونها هو الكفيل بتحقيق مبدأ الشراكة من أجل المعرفة.
وإدراكاً لأهمية التعليم، كونه أرقى أنواع الاستثمار للمستقبل، والوسيلة الأساسية التي تمكن الأفراد من تكوين القدرات البشرية اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة، كان تأسيس مدرسة محمد بن خالد آل نهيان للأجيال التي تجسد في شعارها مبدأ «التسلح بالعلم والمعرفة» وهو الطريق السليم لإعداد جيل قادر على بناء مجد الوطن وتقدمه.
وذلك من خلال إعداد جيل مبدع مكتشف قادر على استخدام منجزات التكنولوجيا المعاصرة، ومواكب تحديات عصر العولمة، ومدرك لقيمة العلم والمعرفة في بناء نهضة الوطن، وتحقيق طموحاته المستقبلية، كما تهدف المدرسة إلى ترسيخ رسالة قوامها الالتزام بتحقيق أعلى معايير الجودة في العملية التعليمية، من خلال تطبيق مناهج تربوية حديثة تحافظ على الهوية الوطنية، وتلبي حاجات الحاضر وتواكب مستجدات المستقبل.







