اللواء محمد سعيد المري نائب مدير الإدارة العامة لخدمة المجتمع في شرطة دبي، رئيس جمعية الصيادين بالإمارة، عُرف منذ الطفولة بحب الثقافة، وعُدَّ من الشباب القلائل المثقفين، كما أوضح خالد بن سليطين رئيس مكتب الطوارئ البيئي في بلدية دبي وعضو مجلس الإدارة في جمعية الصيادين في دبي، مضيفاً: نعرف أن المري يهوى التصوير بلا حدود، وأكثر ما رصده في العدسة؛ ملامح الطبيعة الساحرة في البحر والغروب والبر في الشتاء، ولم تقف اهتماماته عند هذا الحد، بل تشعبت على نطاق أوسع، إذ عشق كرة القدم في الماضي، ويمارس التنس الأرضي الآن، وقد انضم في السابق إلى فريق نادي الشباب لكرة القدم، وتألق في موهبته الرياضية سريعاً، ما أهله لأن يكون هدافاً في منتخب الإمارات الوطني، ومن ثم اعتزل اللعب وانخرط في الكلية العسكرية التي أثبت فيها تميزه سريعاً، ما زرع الثقة في المسؤولين كي يُمنح مهام أمنية عليا في وقت مبكر.

طالب متفوق

عاد الزمن إلى الوراء بابن سليطين، وتذكر «فريج المرر» الذي يسكن فيه، ونظراً لقرب بيت اللواء المري الذي كان يسكن في منطقة «الراس» بخور دبي، فقد كان شاهداً على حياته منذ الطفولة. في المدرسة رأى فيه الطالب المتفوق الهادئ، يلتزم بأداء المهام على أكمل وجه، ويرفض الهروب من المدرسة أو الخروج دون عذر، ظل طالباً مثابراً ومتفوقاً على أقرانه، أسوة بشقيقه الأكبر أحمد رحمه الله.

ومما عرفنا أن أخبار اللواء المري كانت تصل سريعاً إلى ابن سليطين، لأن شقيقه يوسف كان من الأصدقاء المقربين إلى المري، ونتيجة هذه العلاقة ظل يعرف الأخبار بأدق تفاصيلها عن حياة اللواء المري، في نهاية كل يوم.

اتسمت حياة اللواء المري حسب ما أكد سليطين بالكثير من الخصائص، إذ تعلق في شبابه بالموضة، وجذبته الألوان الفاقعة وكان مغرماً بالسيارات، وفي سياق أهم، هو شخصية كلاسيكية معجبة برائحة الماضي، بدليل إنشائه متحفاً مصغراً في منزله الحالي، يحتوي على عدد من الأدوات القديمة، كما يحرص على شراء اسطوانات الأغاني القديمة والاحتفاظ بها.

دقيق ومهتم

وأوضح خالد بن سليطين أن اللواء المري قد يتحدث بـ«قسوة» أحياناً، وينفعل أمام الشخص الذي أمامه إذا احتدم النقاش حول موضوع ما، لكن في النهاية يبادر بالاتصال به ويعتذر ويسأل الطرف الآخر هل انزعج من حديثه. مشيراً من جهة أخرى إلى أن المري دقيق إلى حد الإفراط، وقد يبالغ في الاهتمام بالتفاصيل، فكثيراً ما شهد ابن سليطين اجتماعات كان يرأسها المري وامتدت لساعات، إلا أنه يؤكد حُلمه في اتخاذ القرارات، واتصافه بالذكاء، ومعرفة من حوله وإدراك عيوب الآخر دون الإفصاح عنها، وربما اكتسب هذه الميزة من عمله الممتد نحو 40 عاماً في المجال الأمني والعسكري.

مع الأبناء

علاقة اللواء المري بأولاده أقرب إلى الصداقة، علاقة تثير إعجاب خالد بن سليطين عندما يراه واقفاً يتحدث إليهم. ومن الطبيعي أن يرث الأبناء اهتمامات وصفات الأب، فقد انتقل حب كرة القدم إلى أحد الأبناء، ما أهله إلى اللعب في صفوف المنتخب الوطني. أما الابن الآخر، فاندمج مع الأصداف والأسماك البحرية الغريبة وحب البحر، ودفعه هذا الاهتمام إلى السفر إلى الخارج وإبرام اتفاقيات مع كبرى الشركات البحرية لاستيراد الأنواع النادرة من الأسماك، وفي المحصلة فقد حقق نجاحات أسهمت في الارتقاء بجمعية الصيادين في دبي بتوفير خدمات أفضل للمجتمع. وأكثر ما تميز به اللواء المري في نظر سليطين، أنه إنسان لا يدّعي المعرفة، ولا يخجل من سؤال الآخرين عن أي معلومة، ولا يتردد في الاتصال في وقت متأخر من الليل للاستشارة، وكذلك فهو حريص جداً على نظافة بلاده، ولا يتوقف عن الإرسال عبر «الواتس اب» رسائل وصور تظهر على عدم نظافة مكان ما، والإبلاغ عن كل ما يشوّه منظر البيئة في البر والبحر والمدينة.

شفافية مطلقة

تحدث بن سليطين بشفافية مطلقة عن اللواء المري شخصية اليوم، وقال إنه يصعب على المرء أن يتفرغ لأداء مهمته التطوعية في ظل تقلده منصبا قياديا ومسؤولا، لكن شغف اللواء المري وحبه للتطوع ميزه في جمعية الصيادين في دبي، ونهض بالجمعية وفق خطط وبرامج استراتيجية استطاع عن طريقها تفعيل دور الصيادين على نطاق أوسع رغم توليه مهام عدة، ومن هذا المنطلق، فقد حرص من خلال تدشين مشاريع عدة على أن يعيد الحياة إلى مهنة الصيد، مسلطاً الضوء عليها بعد عزوف نسبي عن هذه المهنة خلال الفترة الماضية، ولعل مشروع «طري وفرش» يبقى واحداً من جملة مشاريع أقرها المري في مصلحة الصياد المواطن والمجتمع معاً.

ولفت خالد بن سليطين إلى أنه قبل البدء بالمشروع المذكور، قال اللواء المري له حرفياً ألا يخشى الفشل، وأن يمضي في تنفيذ المشروع طالما أن مردوده سيخدم المواطن والصالح العام في المقام الأول، وثمة مشاريع أخرى كثيرة أبصرت النور وتميزت بها الجمعية نتيجة الاهتمام البالغ من رئيس جمعية الصيادين رغم كثرة مهامه المجتمعية في جوانب أخرى، لاسيما وأنه عضو في 13 لجنة خارجية. طاهٍ ماهر

كم هو صعب على المرء أن يجد وقتاً خلال سفره ليعد وجبة طعام لنفسه أو للآخرين، لكن اللواء محمد سعيد المري فعل ذلك كثيراً، حسب ما أوضح خالد بن سليطين، ذلك لأنه يفضل دائماً أن يطهو بنفسه، ويجد المتعة في إعداد الطعام بمذاق مختلف، كما أنه يتفنن في الطبخ ويحرص على ابتكار خلطات جديدة من وحي خياله. ونتيجة تعلقه منذ الطفولة بالبحر، يبدو أن الطعام المفضل لديه مما يجود به البحر، و«كبسة الهامور» تعتبر الوجبة الأكثر تفضيلاً له، وفي رحلاته المختلفة يحرص على تناول الأسماك غداءً وعشاءً. موسوعة تراث بحرية إطارها علاقة متوارثة

 موسعة تراث بحرية إطارها علاقة متوارثة

 العلاقة بين اللواء محمد سعيد المري والبحر، علاقة ثنائية قوية ورثها أباً عن جد، هذه العلاقة حرضته على التعلق بهواية الصيد على نحو كبير كما يوضح خالد بن سليطين، فالمري يحرص نهاية كل أسبوع على الذهاب إلى منطقة غنتوت لصيد الأسماك بمرافقة بعض الأصدقاء أو أبنائه في بعض الأحيان، ويستحيل أن يمر أسبوع دون أن يذهب إلى هناك، ورحلته الأسبوعية على شاطئ البحر في غنتوت تبقي غذاءه خلال الأيام الثلاثة من الأسماك فقط.

ويفيد سليطين أن اللواء المري يحب الغوص أيضاً، ويبحث أثناء غوصه عن المخلفات والنفايات الراسية في قاع البحر ويلتقط صوراً لها، ومن ثم يرسلها إلى خالد بن سليطين بصفته رئيس مكتب الطوارئ البيئي في بلدية دبي، فهو يكره التلوث البيئي وبشدة، ولذلك فقد وقف ذات مرة في أحد المجالس أمام 120 شخصاً، وأقسم للصيادين بأن من لا يلتزم بالنظافة بعد الانتهاء من مشروع الموانئ، سيتعرض إلى أقصى العقوبات.

علاوة على ذلك، أكد خالد سليطين أن علاقة اللواء المري مع البحر تبدو وثيقة إلى أبعد حد، بدليل عدم فقهه بأبجديات الصيد أو أدواته وحسب، بل هو أشبه بموسوعة تراث بحرية، وقد ورث الكثير من أسرار البحر بفعل سفراته بصحبة والده «النوخذة» ومرافقته له في رحلات صيد تمتد لأسابيع وشهور، وقد حرص منذ الطفولة على اصطياد الأسماك بشتى الطرق المستخدمة محلياً؛ بواسطة «الليخ» أو «القرقور» وغيرها من الوسائل الأخرى.

هذه العلاقة بين اللواء المري والبحر، انعكست آثارها بشكل واضح عبر اهتمامه بتصوير عناصر الطبيعة البحرية أو هواية الصيد التي تُعتبر حاجة ملحة وأساسية في حياته، فضلاً عن هواية الغوص التي استحوذت على مساحة خاصة في قلبه، وساعدته على قراءة عالم البحار بعمق أكبر.

وقد أثّرت البيئة البحرية كثيراً في شخصية اللواء المري، وصقلت فيه جوانب كثيرة، ولعل اختياره للسلك العسكري جاء نتيجة الصلابة والشدة التي اكتسبها من شظف الحياة في الصغر، كما يختتم خالد بن سليطين.