العطاء مبدأه الدائم ولا يحيد عنه، والكتاب شريان حياته اليومي، وإيمانه بالوقت والإنجازات صنع منه قدوة فريدة لكل شاب طموح، وجديته وحنكته القيادية أكسبته محبة العاملين لديه وكل من يعرفه. هكذا بدأ الدكتور محمد أحمد عبدالرحمن مدير كلية الدراسات الإسلامية والعربية، حديثه عن رجل الأعمال جمعة الماجد، الذي سطرت أعماله الخيرية اسماً عريضاً في عالم العطاء، وفي قلوب الناس أيضاً.
واستطرد عبدالرحمن: إن لجمعة الماجد العديد من المبادرات والإسهامات الخيرية، منها المدارس الأهلية الخيرية، وجمعية بيت الخير، والعديد من المشاريع التي لا توفي الصفحات حقها، والحديث عن إنجازاته وشخصيته يبدو صعباً في هذه الحدود المتاحة للنشر، فهو أوسع بكثير، لذلك سنختزل الحديث في نقطة من بحر أعماله، وبالتحديد عن جهوده الكبيرة في تأسيس كلية الدراسات الإسلامية والعربية التي اتسعت بعطائها لآلاف الطلبة طوال أعوام ممتدة، إذ إنها الكلية الوحيدة التي ينفق عليها رجل أعمال، كما أنها أول كلية في التعليم العالي الخاص المعتمد في الإمارات، تطرح برامج الليــسانس والماجستير والدكتوراه في الشريعة الإســلامية واللغة العربية وآدابها.
كلية الشريعة
عن الأيام الأولى لتأسيس الكلية، قال الدكتور محمد إنه منذ عام 1984 كان جمعة الماجد يتصل به بين الحين والآخر ويسأله عن جامعة الإمارات التي كان يعمل فيها، ويستفسر عن الجامعة وأنظمتها، وخدماتها وما تقدمه الجامعة، فلمس أن في ذهنه شيئاً، لكن لم يصرح له بذلك إلى أن بدأ عام 1986 في تأسيس الكلية من خلال اتصالاته بجامعة الأزهر التي تردد المسؤولين فيها عن الموافقة على منحه ترخيصاً لافتتاح فرع لكلية الدراسات الإسلامية والعربية. وقال له شيخ الأزهر حينها: «إن إنشاء جامعة عمل ضخم وليس من السهولة القيام بذلك.
وخصوصاً أنك رجل أعمال ولن تستطيع أن توفي بالتزاماتها، وهناك كثيرون عجزوا في ذلك الأمر». لكن جمعة الماجد لم ييأس من رد الأزهر، ولم يثنِ ذلك من عزيمته، بل ازداد إصراراً، وقال: أنا مستعد لتقديم كل شيء، وتوفير كافة الالتزامات التي تضمن نهوض الكلية، وأنا فقط أحتاج إلى الدعم العلمي من قبلكم، وتحت رغبته وإلحاحه الشديد وافق الأزهر وأرسل لجنة لدراسة المشروع الخيري الذي اعتمده في البداية باسم «معهد دبي للعلوم الشرعية»، والذي تحول سريعاً وبجهود جمعة الماجد ودعمه المتواصل إلى كلية الدراسات الإسلامية والعربية، وقد دخلت اليوم في عامها الثامن والعشرين.
عزيمة صادقة
أنفق جمعه الماجد أموالاً كثيرة على الكلية دون تقصير في خدمة من خدماتها على مر السنين، ولم تتطلب يوماً من الأيام احتياجاً إلا وسارع في تلبيته، فهو داعم سخي للكلية، ويوليها اهتماماً وحرصاً كبيرين، وذلك إيماناً منه بهذا العمل والمشروع الطموح، وهذا يعكس عقليته المؤسسية وعزيمته الصادقة في حب الخير، فهو يتابع أدق التفاصيل التي تحدث في الكلية دون كلل أو ملل، ولا يتوانى عن زيارتها أو الاستفسار عن أوضاعها ليلاً ونهاراً، حتى وإن كان خارج الدولة، وهذا ما أكسب مؤسساته الخيرية والخاصة نجاحاً وشهرة واسعة، نتيجة لسعيه المتواصل لتحقيق هذا القصد بالرغم من انشغاله وأعماله الكثيرة، وينطلق في ذلك من مقولته التي يرددها دائماً: «على رجل الأعمال أن ينفق 10% من دخله للعمل الخيري».
تخفيف المعاناة
يتابع جمعة الماجد أحوال الطلبة في الكلية، ويسأل عن وسائل الراحة التي تقدم لهم، ويستفسر بشكل مستمر أين يسكن الطلبة وخصوصاً ذوي الظروف الصعبة، ويوجه بتشكيل لجان لدراسة أحوالهم لتقديم المساعدات لهم، وعندما وجد إقبالاً من طلبة الدولة، ودول الخليج، أراد إتاحة المجال لهم بصورة أوسع، والتخفيف عنهم قدر الإمكان، فسارع بتوفير وسائل النقل التي تنطلق يومياً من أكثر من 139 موقعاً من مختلف مناطق الدولة وبصورة مجانية لكافة الطلبة، ولم يتوقف دوره عند الطلبة في فترة الدراسة، بل يحرص على متابعتهم والاطمئنان عليهم بعد التخرج، وقد أوجد لجنة لمتابعة الخريجين وفي بعض الأحيان يبادر بالاتصال بهم والتحدث معهم والاطمئنان عليهم، كذلك يهتم كثيراً بالطلبة المتفوقين ويقدم لهم الدعم والرعاية والتشجيع من أجل مواصلة تفوقهم.
تطوير الكلية
يحرص جمعة الماجد على توفير معايير الرقي والتطور للكلية، فهو يوليها اهتماماً خاصاً ويوجه الأكاديميين للبحث عن الوسائل الجديدة التي تخدم العملية العلمية والتعليمية، ولا يبالي في أن ينفق مبالغ كبيرة بهدف تطوير إنتاجية الكلية على الرغم من أنها لا ترد عليه بمردود مادي، وحين رفع له الدكتور محمد عبدالرحمن تقريراً عن حاجة الكلية إلى مختبرات حاسب آلي لمواكبة تطور التعليم، طلب أن ينفذ المشروع بصورة عاجلة، وأوصى أن يتم تدريب أعضاء هيئة التدريس والأكاديميين قبل الطلبة.
وقال «الذي ليس لديه قدرة على استخدام الحاسوب والتحدث بلغتين، لا يمكنه أن يؤدي الرسالة العلمية»، وكذلك الحال مع تطوير المكتبة ورفدها بالآلاف من الكتب، بالإضافة إلى مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الذي يقدم خدمة جليلة للباحثين عن العلم، وخصوصاً طالبات الدراسات العليا، وهذا الدعم الذي قدمه جمعة الماجد قد أسهم في منح الكلية ترخيصاً لبرامج الماجستير والدكتوراه من قبل وزارة التعليم العالي لتدريس وتخريج طلبة الدراسات العليا.
مشروع «إنجاز»
عطاء جمعة الماجد ممتد، ولا يقتصر على شريحة معينة، حتى وصل إلى الشباب الذين لم يتمكنوا من تحقيق درجات عالية في الثانوية تؤهلهم لدخول الجامعة وإكمال الدراسة، وهذا الأمر يشغل تفكيره، إلى أن طلب مني أن أقدم مقترحاً للنهوض بهذه الفئة وتأهيلها لسوق العمل، وكانت الفكرة في التعاون مع كليات التقنية العليا في مشروع «إنجاز» للقيام بذلك، وكانت هناك إشكالية الدعم الكافي للمشروع فالعملية مكلفة مادياً، لكن جمعة الماجد أصر على البدء في المشروع، وأنه سيتحمل التكاليف، إذ سيبدأ هذا المشروع الحيوي في 15 سبتمبر من عام 2013م، سعياً لتأهيل الطلبة للدراسة.
تقاعد مبكر
يرفض جمعة الماجد فكرة لجوء الشباب إلى التقاعد المبكر، ويرى أنه يجب على الشاب أن يعمل ويجتهد، ما دام يمتلك الطاقة والقدرات على العطاء، وأن التقاعد المبكر خسارة، وفي إحدى الزيارات للمملكة العربية السعودية، أخبرنا أننا سنزور أحد رجال الأعمال في المملكة، وفي المساء عند الساعة الثامنة توجهنا إلى ذلك الرجل المسن ووجدناه لا يزال يجلس في مكتبه منذ الصباح، وعندما شاهده، قال جمعة الماجد لمرافقيه: هكذا أريدكم وأريد أبناء الوطن، أن تعطوا وتقدموا، فالإنجاز والعطاء لا يرتبط بسن معينة.
تعامل ودّي مع الموظفين ورسائل اللوم لديه مغلفة بأرقى الأساليب
يشدد جمعة الماجد على المديرين والموظفين الابتعاد عن الروتين، ويوجه بأن تنجز الأعمال بسرعة، ويولي الوقت اهتماماً وحرصاً كبيراً، حتى في تعيينات الموظفين الجدد، أو شراء المستلزمات، أو توفير أي خدمات، ودائماً يحث الموظفين والمديرين على الاتجاه نحو السبيل الأفضل والمختصر، الذي يحقق الهدف بعيداً عن الروتين الذي يعطل العمل، ويرى أن الإنسان الناجح الذي يربط الوقت بالإنجاز، كذلك يمتلك جمعة الماجد جانباً إنسانياً كبيراً، فضلاً عن أنه قيادي محنك، فعلاقته مع موظفيه ودية، وتعامله راقٍ جداً، إذ يوصل رسالة اللوم أو العتاب مغلفة بأرقى الأساليب، ما يجعل الشخص الآخر يتقبله بكل حب ورحابة صدر، كما يقول الدكتور محمد عبدالرحمن.
ويضيف: لا يميز الماجد في تعامله بين موظف ومدير، ويعطي فرصة للشخص لمراجعة نفسه ومعالجة تجاوزاته، ولا يتسرع في اتخاذ القرار، ودائماً يوجه الموظفين بعدم الأخذ بالنظرة الأحادية في اتخاذ القرارات، بل يطلب أن تتم القرارات من خلال اللجان المؤسسية، وهذا ما أكسبه محبة موظفيه، وحتى المجتمع الخارجي والداخلي، وينعكس ذلك عند زيارته للدول، وخصوصاً دول الخليج التي يحظى فيها باستقبال وترحاب وحفاوة كبيرة من قبل العديد من رجال الأعمال والمسؤولين.
ويبقى جمعة الماجد أحد رجالات الثقافة والفكر في الإمارات، فهو محب للقراءة ويعشق الكتاب، ومن شدة حرصه على الكتاب وإيماناً بأهميته أسس مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، والذي كانت أهدافه مرتكزة على نشر الثقافة في المجتمع، وخدمة الباحثين وتشجيعهم على البحث، والمحافظة على التراث العربي والإسلامي والعمل على نشره من خلال اقتناء أوعية الفكر الإنساني بأشكالها المتنوعة ومعالجتها وتنظيمها وحفظها وإتاحتها للباحثين، وعقد الندوات والمحاضرات والمؤتمرات والدورات التدريبية. كذلك سعى جاهداً إلى بناء علاقات التعاون الثقافي وتعزيزها مع المؤسسات والهيئات العلمية والثقافية المحلية والعربية والإقليمية، إذ تضم مكتبته أكثر من مليون مجلد، كما بلغ عدد المخطوطات الأصلية التي يقتنيها المركز 16 ألف مخطوط أصلي، و350 ألف مخطوط مصور.
إضافة إلى ذلك، يعمل المركز على ترميم الكتب والمخطوطات بمختلف اللغات التي يستقطبها، ويرى الماجد أن من مسؤولياته إنقاذ الكتاب في مختلف أنحاء العالم، وإلى جانب ذلك فإنه يحرص على تطوير مكتبات المدارس ورفدها بالعديد من المراجع التي تزيد من رقعة البحث والاطلاع لدى طلبة المدارس، والذين هم لبنة المجتمع الأساسية.




