من تلك البدايات التي لا تخلو من الصعوبة، وفي محطات أولى من عمري في التربية والتعليم، وفي التباشير الأولى لانطلاقة المدارس بشكل خاص، بدأتُ؛ حين بدأ عصر الكتاتيب في انحسار، ثم شاءت الأقدار أن تبدأ الشيخة عائشة بنت محمد بن صقر القاسمي، أولى خطواتها الطموحة، وأنا شاهد على طفولتها المبكرة حينما كان عمرها لا يتجاوز العامين فقط، وفي كل مرحلة كانت تلك الطفلة تكبر أمامي ويكبر معها حلمها.. عايشتها عبر هذه السنوات الطوال، وهنا أسطر بعض مراحل حياتها.

هكذا افتتح محمد دياب الموسى، المستشار التربوي لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، حديثه عن إحدى شخصيات الإمارات، مضيفاً: العام 1954 قدمت من فلسطين إلى إمارة الشارقة، وقبل مجيئي بشهور قليلة عام 1953، تم افتتاح أول مدرسة ابتدائية في الإمارة، وهي أول مدرسة نظامية للبنين، فقبل ذلك لم تكن هناك مدارس نظامية، بل كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم، وسميت آنذاك بالمدرسة القاسمية للبنين، وكان موقعها في الشارقة القديمة، وتحديداً في بيت (بن كامل)، وهو عبارة عن حوش واسع يلتف حوله من ست إلى سبع غرف.

معلمو البداية

في تلك الأثناء كان عدد المدرسين ثمانية، نصفهم تقريباً من المواطنين، وهم: جاسم سيف المدفع، وأصبح في ما بعد مدير الديوان الأميري، وعلي الغانم وراشد العويس وعبدالله القيواني، إضافة إلى إسماعيل عبدالله من البحرين. والآخرين: مصطفى يوسف طه، وأحمد قاسم البوريني، وأنا وشخص رابع، وجميعنا من فلسطين. وقد كان عدد الطلبة أقل من 200 طالب، أعمارهم ما بين سبع سنوات وخمس عشرة سنة، من الأول إلى الخامس ابتدائي، والمنهج الذي كان يدرسه الطلبة مستمد من المنهج الكويتي.

الحقيقة كما أكد الموسى أن طلبة المدرسة القاسمية في تلك الفترة، أثبتوا أنهم النخبة رغم قسوة الحياة آنذاك، إلا أن الطلبة حرصوا على الاستفادة من التعليم ومن توجههم العربي والإسلامي، هؤلاء الطلاب كانوا الركائز الرئيسية حين قيام اتحاد الدولة عام 1971، وفي العام الثاني مباشرة، افتتحت مدرسة للبنات (ابتدائية)، وموقعها كان جزءاً من المدرسة نفسها، يفصل بينهما حاجز، وعدد الطالبات بين 30 إلى 40 طالبة، وكانت مُدّرستهن شريفة البعباع من فلسطين، جاءت ضمن البعثة الكويتية إلى الشارقة.

أدوار وإنجازات

الشيخة عائشة بنت محمد بن صقر القاسمي، كانت واحدة من طالبات المدرسة، وهي التي سابقت المجد والعليا، فكللها بتاج عنوانه الإخلاص ودرره لآلئ العز والفخار، نذرت نفسها للتربية والتعليم، فأضاءت بهمتها العالية وعطائها اللامحدود، ميادينه وساحاته، فاستحقت منا لها العرفان بالفضل وكل الامتنان.

وقال الموسى: حينما أتحدث عن الشيخة عائشة، أجد الصعوبة أمام كثافة أدوارها المتميزة في ميادين التربية والتعليم أساساً، وفي مجالات النهضة الشاملة التي رافقت قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنا أتحدث عن عائشة الطفلة في عامها الثاني، أستعيد ماضي حينما كانت تحبو في رعاية وحنان والدها المغفور له الشيخ محمد بن صقر بن سلطان القاسمي.

وأكد أنه رافق مسيرتها الثرية بالإنجازات والنجاحات منذ بدأت معلمة، ثم تدرجت في مشوارها التربوي مديرة مدرسة إلى موجهة تربوية فالمسؤول الثاني في منطقة الشارقة التعليمية، ومن هذا المنصب الإشرافي على المدارس النموذجية في الشارقة «أول تجربة على مستوى الدولة»، إلى مدير عام دائرة التربية والتعليم في حكومة الشارقة، إلى قيادة التخطيط العملي لتطوير التربية والتعليم في الإمارة خاصة، وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم خدمة للأجيال، دون أن تهمل المشاركة الفعلية في معظم العمليات التربوية.

مدرسة الأندلس

من أبرز ما قامت به الشيخة عائشة بعد تسلمها إدارة مدرسة الأندلس في الشارقة، بين عامي 1974ــ1982، الارتقاء بالمخرجات التعليمية والتنمية المهنية للكادر التعليمي، من خلال الورش التدريبية والنشاط المدرسي، والمشاركة في المسابقات التربوية على المستوى العربي، وقد أرست قواعد مشروع تقويم النشاط المدرسي، وصولاً إلى نشاط مدرسي فاعل. وأضاف: بخبراتها المتراكمة وقيادتها الفعلية، كان لها دور بارز وريادي، في إدارة جائزة الشارقة للتميز التربوي على مدى 11 سنة، كأول جائزة على مستوى الدولة، وفي رئاسة مجلس التوجيه التربوي، ورئاسة اللجنة التربوية، ورئاسة لجنة المعلمين، ورئاسة لجنة المدارس النموذجية، ورئاسة مجلس الطلاب، وتمثيل المنطقة التعليمية في المجلس الأعلى للأسرة.

دور فاعل

وأوضح أن للشيخة عائشة دورا فاعلا في أنشطة أخرى وفعاليات مجتمعية متنوعة، مثل: دائرة الثقافة والإعلام، وثقافة الطفل ومهرجان الطفل السنوي. والكرنفال العام الذي يطوف شوارع مدينة الشارقة والمنطقة الوسطى والمنطقة الشرقية، إضافة إلى برامج التلفاز مثل كأس العلم، ورؤى تربوية، وأروقة التميز.. وأيضاً من خلال تلفزيون وإذاعة الشارقة، في تقديم العديد من المسابقات والبرامج التربوية والعلمية والثقافية، واللقاءات مع المجلس الاستشاري في الشارقة ومجلسي الآباء والأمهات، ومع كبار المسؤولين في وزارة التربية والتعليم، إضافة إلي الاجتماعات الدورية مع جمعية المعلمين والموجهين، إلى جانب الإشراف على جائزة الشارقة للتميز التربوي منذ نشأتها عام 1994م ومتابعة تطويرها.

الأب والأم

وقال محمد ذياب الموسى: في أحاديث خاصة مع الشيخة عائشة، ومن ملاحظاتي الشخصية، لاحظت مرافقتها لوالدها في كثير من زياراته في مدينة الشارقة، كما كان يأخذها إلى مجلسه العام وهي صغيرة دون الخامسة، وبعد وفاته رحمه الله، تولت والدتها رعايتها والعناية بها، فأصبحت هي الأم والمربية والمعلمة. وعن هذه العلاقة بالتحديد، تكرر الشيخة عائشة القول: «والدتي أطال الله في عمرها، رفيق دربي ونور حياتي، مجلسها علم وثقافة، ومبادؤها دين وخلق، أرضعتني المبادئ السامية، وعملتني فن الحياة، ومن مدرستها تعلمت الصبر والتواضع وقول الحق وتحمل المسؤولية، ونهلت منها أصول التعامل القائم على ركائز شريعتنا السمحة، كانت وما زالت قدوة صالحة ونموذجاً رائداً للأم المسلمة، ومهما فعلت أبقى مقصرة في أدائي حقوقها علي».

 

حب الناس ثروتها ورصيدها من الحياة

تحدث محمد دياب الموسى عن رؤية الشيخة عائشة لمسيرة التعليم بين الأمس واليوم، باعتبارها قصة كفاح مع المثابرة والتفاني في طلب العلم، من أجل تحقيق المعارف في ظروف بالغة القسوة، تحمل فيها آباؤنا المشقات حتى حصلوا على المؤهلات مع قلة الإمكانات، وعند قيام الاتحاد خطت الدولة خطوات كبيرة في مجال التعليم، وهذا الحاضر الذي نعيشه في صورته المشرقة هو وليد الماضي الذي تأسس على أيدي تربويين انتقلوا بالتعليم من مدارس شبه نظامية إلى مدارس نظامية، ثم ارتقى لنعيشه في عصرنا بكل أبعاده، فالتغيير الذي طرأ على مسيرة التعليم كان هدفه التجديد والتطوير.

مصدر فخر واعتزاز

وأضاف إن الشيخة عائشة تأثرت بقول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «لولا الرعيل الأول من الرائدات اللواتي برزن في ميادين العلم والعمل، ما تمكنت بنات الإمارات من الوصول إلى ما هن عليه الآن»، مؤكداً أن ابنة الإمارات في الماضي والحاضر ناضجة ومصدر فخر واعتزاز، كما أن الشيخة عائشة تربت في كنف صاحب السمو الشيخ الدكتور محمد بن سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وحينما تتحدث عن فضلهما عليها وعلى بنات الشارقة والإمارات عامة، تتحدث عن شعور ناتج عن أفعال، وهي تقول: صاحب السمو حاكم الشارقة أب رؤوف وأخ عطوف، تشبعت من إنسانيته الفياضة ما ملأ علي حياتي، فمن مجالس علمه استنرت علماً ومن ساحات فكره استزدت فهماً، ومن رحابة صدره أدركت قيمة السماحة ومبدأ التسامح، وأن الإنسان يعلو بفكره ويسمو بعطائه ويرتقي بمبادئه.

نور الإيمان

وكما ترى الشيخة عائشة، فإن سمو الشيخة جواهر بنت محمد بن سلطان القاسمي، تعد مدرسة بل أكاديمية رائدة يشع منها نور الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالعروبة انتماء وولاء،

وتتحدث الشيخة عائشة كثيراً عما تعلمته من الحياة وماذا اكتسبت منها، وتردد دائماً أنها تعلمت أن الحياة مهما اتسعت فهي دقائق وثوان، وعلى المرء أن يملأها عطاءً وإخلاصاً، يتعامل مع الآخرين بصدق حتى يكسب صداقتهم، وحبهم الصدوق، والحمد لله هذا ما اكتسبته من الحياة، حب الناس، فهم الثروة الحقيقية والرصيد الأكبر الذي تعتز بهما.

وفي محيط نظرتها الإنسانية والتربوية والحياتية، لا يقاس الناس بمناصبهم وإنما بأخلاقهم أولاً وإمكاناتهم ثانياً، وإخلاصهم في عملهم ثالثاً، وبما يقدمونه لأنفسهم وللناس أجمع من خير رابعاً.

هذه هي عائشة بنت محمد بن صقر القاسمي حفيدة حاكم وابنة حاكم وشقيقة حاكم، رائدة في الجد والاجتهاد تعمل لدنياها كأنما تعيش أبداً وتعمل لآخرتها كأنها تموت غداً.

 

رد الجميل

من أخلاق الشيخة عائشة، أنها تعيد الفضل لأهله، ولا تتردد في رد الجميل أبداً حين تقول: «منّ الله علي بكوكبة من الأخوات، كن رافداً غنياً أثرين خبرتي وعززن إمكاناتي بخبراتهن، أذكر منهن الأستاذة فاطمة حمد المدفع، وعائشة الباكر، وفاطمة مصبح السويدي، وأخوات كثيرات ربطتني بهن علاقة صداقة بل إخوّة»، وتضيف: عندما انتقلت إلى إدارة مدرسة الأندلس عام 1974 بتزكية مديرة المدرسة الأستاذة ليلى المزيني، وتشجيع الدكتورة عائشة السيار، كان الحافز أكبر لنجاحي في إدارة المدرسة وتحقيق نتائج باهرة في التحصيل العلمي، وعندما انضمت إلينا في العام الدراسي 1975 المربية الفاضلة مقبولة زكي السفاريني بخبرتها التربوية الكبيرة فقد كانت رافداً متميزاً للعملية التربوية والإدارية.