يقترن اسم الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي نائبة رئيس المجلس الأعلى للأسرة المدير العام لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، كيف لا وهي الإنسانة التي وهبت نفسها ووقتها بكل سعادة لهذه الفئة، وبعيداً عن صخب الإعلام غدت مثالاً حياً للتضحية والبذل والعطاء.

التقينا صالحة غابش مدير عام المكتب الثقافي والإعلامي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، التي حدثتنا عن الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي بفخر، فهي تراها من واقع قربها لها نموذجاً لا يتكرر لسيدة وهبت نفسها لقضية تمكنت بعد سنوات من العمل الشاق، أن تؤكد وجودها وحقها في الحياة.

وتضيف: لعلي لا أغالي عندما أقول إنها من الذين غيروا في القوانين التي باتت تعترف بذوي الاحتياجات الخاصة وحقهم في أن يكونوا شركاء في المجتمع لا أن يتم إقصاؤهم، فدخلوا إلى مواقع العمل ودُمجوا في المدارس، وخصصت لهم المرافق العامة والخدمات.

اللقاء الأول

تقول غابش: شاءت الصدف أن أتعرف إلى تلك الإنسانة الراقية عندما كنت معلمة في مدرسة اشبيلية للتعليم الأساسي، وكان مطلوباً مني إعداد أغنية لفئة الصم في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية تزامنا مع احتفالات العالم بأسبوع الصم، وحتى تكون الكلمات نابعة من القلب آثرت أن أزور المدينة، وعندما توجهت إلى هناك، كانت الشيخة جميلة في استقبالنا وتجولنا في أرجاء المكان، وكانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها عدداً كبيراً من الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وما أذكره أني بكيت بشدة من الجو العام والعلاقة الحميمية التي تربط الشيخة جميلة بالأطفال، ففي كل فصل ندخله يحتضنها الصغار ويتحلقون حولها، يلمس أحدهم يدها والآخر طرف ثوبها، وهي تضمهم بسعادة بالغة، أدركت حينها أنها تتعامل معهم بمنهجية دقيقة وعاطفة جياشة، وبالفعل تمكنت من كتابة نص الأغنية الخاصة بفئة الصم، وكان هذا أول لقاء لي مع الشيخة جميلة، وقد خلفت في نفسي أثراً طيباً وإحساساً بعظمة ما تقدمه لهذه الفئة.

شخصية إنسانية

وتوضح صالحة غابش أن علاقتها تعمقت بالشيخة جميلة عندما عملت في أندية فتيات الشارقة (المجلس الأعلى لشؤون الأسرة)، وتضيف: في ذلك الوقت نلتقي بحكم العمل في فعاليات بسيطة، وأصبحنا أكثر قرباً، وذات مرة أخبرتها عن رغبة دفينة في داخلي تعززت عندما زرت مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، وهي أن أعد عملاً مسرحياً متكاملاً للمدينة، أقدم من خلاله شيئاً يسيراً لهم.

وتقول إن الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي طلبت منها لاحقاً إنجاز عمل مسرحي بشرط أن يكون طاقم العمل من المعاقين، وبالطبع فإن ذلك الشرط أضاف إلى العمل صعوبة أخرى، لأنه نص مسرحي غنائي لهذه الفئة، وتؤكد: كتبت نصاً مغايراً شعرت فيه أنني أمام تحد والحمد لله كان النص أكثر قرباً لهم، وأطلقت عليه الشيخة جميلة عنوان: «تناغم»، وذلك كان بمثابة أول عمل من الأطفال ذوي الاحتياجات مقدم إلى المجتمع.

السفر معها

وترى غابش أن سفرها مع الشيخة جميلة خارج الدولة لتمثيل الإمارات في أكثر من محفل، عمّق العلاقة وأعطاها سمة الأخوة والصداقة أكثر فأكثر، ومن المناسبات الهامة التي لا تنساها كما تقول: حضرنا ملتقيين في مصر، كنا نعرض مسرحية «هويتنا» التي كتبتها في ملتقى يتناول ظاهرة العنف ضد المرأة، وقد كانت الشيخة القاسمي خلال الرحلة قريبة منا كأعضاء، وعندما عرضت المسرحية، شجعتني لأخرج بعد انتهاء العرض على خشبة المسرح، وقالت: نحن نمثل وطننا ونجاح العمل هو انعكاس لتميزنا، وهو ما شجعني وخرجت على المسرح بفخر.

وتصف صالحة غابش الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي، بأنها كالنسمة الهادئة، تأخذ الأمور بهدوء، فلم أرها يوماً منفعلة، وعلاوة على ذلك فهي مستمعة جيدة، وتعطي من حولها الفرصة لقول آرائهم، وتأخذ بالمقترحات وصولاً إلى صيغة مناسبة في العمل، وهي بتعاملها مع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة وتكريس جل وقتها لهم، تؤكد أنها إنسانة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

منظومة التشريعات

وتذكر غابش أن الشيخة جميلة تحركت من منطلق المسؤولية الوطنية، فساهمت بصورة مباشرة في تطوير منظومة التشريعات والقوانين التي تخص ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي وضع الأطر العامة والسياسات، وتنفيذ الإجراءات التي تضمن حقهم في الصحة والتعليم والحماية من العنف والإهمال، سواء في المنزل أو مؤسسات الرعاية والمدارس الخاصة بهم، أو في الأماكن العامة، علاوة على تنفيذ برامج توعوية لتغيير الثقافة السائدة في المجتمع.

وتقول: أصبح للطالب من ذوي الإعاقة حق الالتحاق بالمدارس الحكومية والخاصة، بعد أن تم اعتماد قرار دمجهم مع أقرانهم في المدارس، علاوة على تخصيص مرافق لهم في الأماكن العامة، كما عملت على دعم حق المرأة المعاقة في تأدية دورها في الحياة وتعزيز ثقة المجتمع بها وبقدراتها، وأسهمت في ربط ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يقيمون على أرض الدولة، بالمعاقين من خارجها عبر مخيم الأمل.

وتؤكد صالحة غابش أن الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي اقتنعت طوال مسيرتها بأن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا مجرد حالة مرضية تستدعي العطف والرعاية الصحية والاجتماعية، وليسوا مجرد مواضيع للدراسة والأبحاث، بل هم أشخاص لهم الحق كما غيرهم في أن يتمتعوا بكامل حقوقهم.

 

«أم المعاقين».. تكفيها الابتسامة

تعرف الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي بـ «أم المعاقين»، وهو لقب استحقته عن جدارة بعد سلسلة إنجازات حققتها على مدى عقدين من الزمن في مجال الخدمات الإنسانية عامة ورعاية ذوي الاحتياجات على وجه التحديد، ووهبت الشيخة جميلة أيامها للعمل التطوعي وساهمت في أن يصبح ذوو الاحتياجات الخاصة أقل اعتماداً على من حولهم، ورؤية الابتسامة على وجوه الأطفال تكفيها للعمل أكثر.

وتحمل الشيخة القاسمي درجة الماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية في الشارقة، وبكالوريوس في علم النفس من جامعة ولاية كاليفورنيا (ديسمبر 1982م)، وهي مؤسس ورئيس تحرير مجلة «المنال» منذ العام 1987م وحتى اليوم، كما أنها ممثلة الرابطة الخليجية للتوحد في دولة الإمارات العربية، وقد عملت في إدارة مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، منذ فبراير 1983، ويرأسها فخرياً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي يقدم لها الدعم المادي والمعنوي.

وقد حققت مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية في عهد الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي، الكثير من التطور في حقول الخدمة الاجتماعية، فتم استحداث خدمات جديدة وتأسيس أقسام إضافية تحت مظلة المدينة، ومنها روضة الأمل للصم وضعاف السمع، ومعهد التربية الفكرية، وفرع المدينة للمنطقة الشرقية في خورفكان، وأقسام التأهيل المهني، بالإضافة إلى قسم المتابعة والتشغيل وجماعة الفن الخاص، وقسم الإعلام ومخيم الأمل في الشارقة، والنادي الصيفي للمعاقين ومركز الشارقة للتوحد وفرعي المدينة في الذيد وفي كلباء.

 

أوسمة وجوائز

الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي حاصلة على جائزة الشارقة للتميز التربوي في المجال الإداري في إبريل 2001، وعلى جائزة الشيخة فاطمة بنت مبارك للبر في إبريل 2001، وعلى وسام التميز في مارس 2001 من قبل سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي حرم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، رئيسة المجلس الأعلى للأسرة.

 وحاصلة على جائزة استحقاق درع الهلال الأحمر للجهود المبذولة في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة على المستويين المحلي والإقليمي في نوفمبر 1999، وعلى ميدالية الدفاع الاجتماعي من قبل صاحب السمو حاكم الشارقة، خلال الاحتفال بيوم الشرطة في ديسمبر عام 1996، وتم اختيارها أهم شخصية نسائية عربية في المجال الاجتماعي لعام 1990م، في الاستفتاء الذي أقامه المركز الدولي للنشر والإعلام في جمهورية مصر العربية، وتم تكريمها ضمن رواد العمل الاجتماعي في الأسبوع العربي الخليجي الثاني للعمل الاجتماعي الذي عقد في دولة الإمارات عام 1987م.

 

تأهيل نوعي

سعت الشيخة جميلة من خلال مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية إلى تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة من كل أنواع الإعاقات، في معهد الأمل للمعاقين سمعياً، هناك خدمات التعليم لأكثر من 97 طالباً وطالبة من ذوي الاعاقة السمعية، ويعتمد المعهد مناهج وزارة التربية والتعليم لتدريس الطلبة مع مراعاة تكييف بعض المواد لتتناسب مع القدرات اللغوية للطلبة المعاقين سمعياً.