حين يتحدث الصدى تبدو للكلمات قوة أخرى، وحين تأتي الشهادة من غير أهلها تكون أبلغ حتماً، وحين نتعرف على الآخر من الآخر ندرك المزيد من حيثياته الاجتماعية والمهنية وحتى الأبوية.. ذاك هو لسان حالنا في «شخصيات»، محطة نتوقف فيها للاستماع إلى شهادات عن آخرين من واقع المعايشة.. الصديق أو القريب أو الزميل أو الآخر عموماً، يبحر في تفاصيل كثيرة عن اسم من الإمارات، يجول في ذاكرة الأيام ليلخص لنا مشواراً مليئاً بقصص لم تذكر؛ أو مواقف ربما تجاوزها الشخص نفسه في مناسبات كثيرة.. في هذا الباب؛ نتيح المجال لشخص يُعرّفنا بآخر من خلال واقعٍ عايشه عن قرب في سنوات طويلة.
محمد الجوكر يحدثنا اليوم عن شخصية سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية.
يقول الجوكر : عمر علاقتي به 32 عاماً، وقد بدأت عندما التقيته للمرة الأولى في جامعة الإمارات، وبالتحديد في أحد المساقات الجامعية بمدينة العين. وحيث نشأت العلاقة في العام 81 ، وكنت حينها معلقا رياضيا ومذيعا.

من على مقعد الجامعة الذي جمعنا بدأت تظهر رغبة بو سلطان في كرة القدم، وبما أنني كنت مراسلا لجريدة الاتحاد في ذلك الوقت، كانت اللقاءات داخل استاد خليفة بشكل يومي، وبعد فترة وجيزة أصبح الشيخ حمدان مديرا لنادي العين، فتطورت العلاقة، واستفدت كمصدر كبير وهام يتولى مسؤولية أحد الطلائع الرياضية الكبرى في دولة الإمارات وهو "نادي العين".
ومنذ ذلك الوقت تحلى سموه بمنتهى البساطة والتواضع، وقد استمرت العلاقة طوال فترة سنوات الدراسة الجامعية الأربع.

طالب جامعي مجتهد
في تلك المرحلة كان سموه أيضا مشغولا بدراسته بشكل كبير، حيث يمنح الدراسة وقته، وكان طالبا جامعيا مجتهدا، ومن المتفوقين. كان لا يكتفي فقط بالدراسة في الجامعة ومقرراتها سواء في كلية الجيمي أو في مقر المعهد الإسلامي.. فرعي جامعة الإمارات. وكان أيضا يشرف على تدريسه عدد من الأساتذة المختصين في مجال السياسة، حيث درس الشيخ حمدان هذا المجال وتخصص فيه، بينما كنت أنا طالبا في كلية الآداب تخصص إعلام.
مواقف في مسيرته الرياضية
شهدت السنوات الدراسية الأربع، الكثير من المواقف في مسيرته الرياضية، حيث أسندت إليه مهمة رئاسة نادي بني ياس، وفي هذه الفترة أيضا استطاع أن يشكل هذا النادي ويتابعه ويشرف عليه، إلا أن حبه ظل مرتبطا بنادي العين، وفي هذه المرحلة ظهرت بوادر إيجابية مشجعة لمحبي وعشاق الرياضة في دولة الإمارات، بعد أن وجدوا من سموه الحب والإصرار في مساهمة وطنية، ودفع عجلة كرة القدم الإماراتية، وبالفعل عُرض عليه منصب رئاسة اتحاد كرة القدم، الذي كان شاغرا آنذاك، من بعد كأس الخليج العربي السادسة في أبوظبي عام 1982، وظل منصب الرئيس شاغرا كما قلت، وعُرض على أكثر من شخصية، كان من بينها سمو الشيخ محمد بن زايد، الذي اعتذر عن هذا الترشح.

مواعيد دوار مستشفى توام بالمقام
كنت ألتقيه في دوار مستشفى توام، فهو المكان الذي كان يجمعني بسموه عندما يذهب إلى أبوظبي، في هذا الدوار كنت أنتظره لمعرفة ما تم بخصوص ترشحه لرئاسة اتحاد كرة القدم، لأن في تلك الفترة لم يكن لدينا الهواتف النقالة إلا لميسوري الحال، فكنت انتظره في دوار المقام لقربه من مقر سكنه حيث يقيم في فيلا خاصة. كنا نلتقي على مدار أيام الأسبوع لمعرفة تفاصيل ما تم بخصوص ترشحه لرئاسة اتحاد كرة القدم.
الابتسامة التي أتذكرها
في أحد الأيام جاءني سموه وهو يبتسم، وأتذكر هذه الابتسامة عندما قال: " إن أخي الكبير صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد.. بارك ووافق على تأييدي لتولي مسؤولية رئاسة اتحاد كرة القدم عام 1984. أي قبل تخرجنا معا في جامعة الإمارات ضمن الدفعة الخامسة.
أول مهمة رسمية رياضية
خلال الدراسة الجامعية رافقت سموه في دورتين هامتين.. الأولى في كأس الخليج السابعة في مسقط في أول مهمة رياضية رسمية للشيخ، والثانية هي أول مهمة قارية على صعيد آسيا.. نهائيات أمم آسيا في سنغافورة. وتلك الدورتان شهدتا شخصية ونبوغ الشيخ حمدان في التعامل مع قيادات في الرياضة الخليجية، على رأسهم الأمير الراحل فيصل بن فهد، والشهيد فهد الأحمد، والشيخ عيسى بن راشد أطال الله عمره، وغيرها من الشخصيات الخليجية والعربية. أما دورة سنغافورة فكانت تحولا آخر عندما التقى بالبرازيلي الراحل هافي لانغ رئيس الاتحاد الدولي، وكان تحولا كبيرا في شخصيته ومسيرته، لأنه كان أصغر رئيس اتحاد كرة قدم في العالم يلتقي هذه الشخصية العملاقة.
النضج الفكري والإداري للعالمية
في سنغافورة كان حمدان قد تغير تماما، وأصبح نضجه الفكري والإداري مختلفا تماما عن دورة مسقط، بمعنى أنه اتجه وتعاقد مع مدرب عالمي كبير وهو كارلوس البيرتو بيريرا، وفي عهد هذا المدرب تفوقت الإمارات وحققت فوزين.. فوز في كأس الخليج عام 1986 في المنامة بالبحرين، وفي عام 1988 في الرياض بالسعودية.
وهنا نلاحظ على حمدان بأنه كان حريصا على أن يضع الكرة الإماراتية على خارطة العالم، واشتغل كثيرا وبدأ يغير في سياسته وأسلوبه في التعامل مع الجميع، حيث كان يجلس مع اللاعبين، ويطلع على أحوالهم ويخصص من معاونيه لمتابعة احتياجات اللاعبين، وبدأ أيضا يضخ بأموال تتجاوز عشرات الملايين من أجل تهيئة المنتخب والوصول إلى أعلى المستويات حتى تحققت الكرة الإماراتية، وصعدت إلى نهائيات كأس العالم في إيطاليا عام 1990 . وفي ظل أهم فترة ذهبية عاشتها الكرة الإماراتية.
الجانب الاجتماعي والوفاء الجميل
على الصعيد الاجتماعي لا يختلف اثنان على أن حمدان بن زايد تولى مناصب عليا في الدولة، فعقب التخرج تولى منصب وكيل وزارة في الخارجية، وهنا أكشف أمر سر لأول مرة، وهو عندما عرض عليَّ العمل في السلك الدبلوماسي، ولكنني اعتذرت لسموه بسبب حبي وعشقي لمهنة الصحافة، وكان هذا نوعاً من الوفاء الجميل تجاهي، نظرا لتعايشنا لفترة طويلة معا. وأنا في ذلك العرض لم أرفض إنما اعتذرت، وترك لي سموه الخيار، وكانت إجابته (الخيار لك) فقلت لسموه إنني سوف أخدم وطني وأخدمك شخصيا من موقعي كصحفي، على اعتبار أن تخصصي في هذا المجال، وأنني أعشقه ولا أميل للعمل في مجال الدبلوماسية أو السياسة، والمواطن يمكنه أن يقدم لوطنه ويخدمه في مواقع مختلفة ومتعددة من بينها قطاع الإعلام والصحافة.
صورة إنسانية نادرة
لدى حمدان بن زايد الكثير لتقديمه إلى الوطن، وكلنا يتذكر الصورة الجميلة عندما قام بتقبيل الفتاة المعاقة التي هزت مشاعرنا جميعا، وهي تؤكد إنسانية هذا الرجل. فهو رجل بمعنى الكلمة، يمتلك مواصفات القيادة، ولديه طيبة لأقصى درجة.
هو مستمع جيد، ولكل الأطراف، لا يتخذ قرارا مستعجلا، بل يأخذه بعد عناية ودراسة، لأنه تدرب وتعلم وتتلمذ على يد زعيم الأمة وحكيمها الغالي زايد، فهو نسل من أصلاب آل نهيان الكرام، الذين يؤمنون بروح ووطنية الاتحاد كدولة.
نجومية نحو الآفاق القاريَّة والإنسانية

بعد نجاحه في منصب وكيل الخارجية أسندت إليه مهمة وزير الدولة للشؤون الخارجية، وبدأت هنا النجومية تكبر وتتوسع، وبدأت العلاقات أيضا تأخذ آفاقا دولية وعالمية وقارية، وبدأت الوفود الرياضية تضع في اعتبارها أهمية وجود شخصية مثل حمدان بن زايد، واستمر في هذا المجال الدبلوماسي.
حيث كان ينفذ تعليمات وتوجيهات والده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في السياسة الخارجية، حيث تتميز الإمارات بسياسة حكيمة ورشيدة. وسار على هذا الدرب والنهج، لينطلق إلى آفاق أخرى، وهي الجانب الإنساني. وفي هذا الجانب كلنا يعلم الدور الكبير الذي يبذله في رئاسة جمعية الهلال الأحمر، التي تعد واحدة من أبرز الجمعيات الإنسانية الخيرية على مستوى العالم، للمساهمات المالية الضخمة التي تقدمها الدولة عبر هذه الجمعية، محليا وخارجيا، بل إن حمدان بن زايد يختار بنفسه أعضاء المجلس وبشكل دوري، ممن يلمس لديهم مقومات العمل التطوعي في هذا المجال.
أبرز مبادرة عربية
ومن أبرز المواقف التي لا أحد ينساها في عام 2009 وبعد كأس الخليج 19 في مسقط ظهرت مبادرة، هي الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي، عندما قام بتكريم جميع الرياضيين الخليجيين الذين كانوا يعانون من أمراض أو أزمات صحية، وقام بدعوتهم وتكريمهم، بل وتمت دعوة ورثة بعضهم وحضروا إلى قصر النخيل بأبوظبي، وتم تكريمهم معنويا وماديا، في بادرة اعتبرها قيادات الكرة الخليجية بأنها الأولى من نوعها وتستحق الإشادة والثناء. وفي هذا الإطار كان لي الشرف بأنني تقدمت إلى مكتب سموه باقتراح لإنشاء صندوق حمدان بن زايد الخيري للرياضيين، يتولى الدعم والإشراف على الحالات الإنسانية التي يمر بها رياضيو الدولة. وأعتقد أن هذا المشروع ربما سيجد بإذن الله طريقه للتنفيذ إذا أراد الله.
مجلس كل أحد وتحويل المنطقة الغربية
وبالطبع على الصعيد الإنساني فإن مكارم الشيخ لا تعد ولا تحصى، ولنقل إن ما يقوم به من أعمال إنسانية وجلسات اسبوعية حيث يلتقي فيها بالمواطنين، وقد حدد كل يوم أحد من كل اسبوع، يلتقي فيه المواطنون من مختلف إمارات الدولة في مجلسه العامر، إضافة إلى الدور والجهد الكبير الذي يبذله الآن في تحويل المنطقة الغربية إلى منطقة سياحية تجذب العالم، وزياراته الميدانية والالتقاء بالمواطنين، ومتابعة أحوالهم تؤكد مواصفات شخصية والده طيب الله ثراه.
