لم يكن يسمى بالشحات أو المتسول بل بالغريب، ولأنه غريب لا مكان له يأوي إليه ولا مطبخ يطعم منه، فقد جرت العادة أن يطرق أقرب باب من أبواب القرية التي يدركه فيها وقت إفطار الصائم، فيقدم له أطيب ما في طعام المنزل الذي يقصده. والغريب وقد يكون شخصاً أو أكثر من شخص أو أسرة بكاملها، ومنذ القدم، القرى اليمنية التي لا يوجد فيها مطاعم تنتشر فيها منازل معينة اشتهرت بإطعام الغرباء المارين بتلك القرى، وتلك البيوت غالباً ما تعود لميسورين من سكان البلدة.
ودائماً ما يشار إليها كمقصد للوافدين الذين عادة ما يكونوا من غير أبناء القرية، وتخصصت تلك البيوت في إطعام الغرباء بتقديم مثل تلك الموائد، وإذا حصل وأن طرق الغرباء باباً من أبواب الأسر التي لا تجد ما تحمل به نفسها يصر أهل البيت على أن يفطر الغرباء الوافدون إليهم عندهم فيقدمون لهم عن طيب خاطر ما لديهم من إفطار طمعاً منهم في كسب ثواب الآخرة عملاً بالحديث الشريف «من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقفص من أجر الصائم شيء».
وفي حالة عدم كفاية ما لديهم من طعام، أو إدراكهم ومعرفتهم بأن ما سيقدمونه قد لا يشبع ضيوفهم الغرباء أو لا يروق لهم يشيرون إلى إحدى تلك البيوت المحددة فيقصدها الغريب ليجد فيها مبتغاه من المأكل والمشرب وحتى المبيت.
ويقول أستاذ العلوم القانونية والإدارية في جامعة الحديدة الدكتور محمود الشميري: هذه العادة الحسنة لم تكن مجرد مبادرة شخصية إنما كانت في كثير من القرى اليمنية أشبه بعمل مؤسسي موضحاً ذلك بقوله: بعض الأسر كانت تخصص وقفيات للإنفاق على موائد الغرباء وقد سميت بعض الحقول الزراعية التي أوقفها أصحابها لذلك الغرض بأسماء على علاقة بإطعام الغرباء .
مثل «حول اللحوح»، «جربة الغريب»، «سبة المسافر» وكلمة حول وجربة وسبة كلها أسماء بالدراجة اليمنية تعني حقل أو مزرعة، أما اللحوح فهو الخبز المخصص لإعداد الطبق اليمني الرمضاني «الشفوت» الذي لا تخلو منه أي مأدبة إفطار في الشهر الكريم.
ويستدرك موضحاً أن تلك العادة المحمودة والنبيلة التي كان يحرص عليها اليمنيون في جميع قرى اليمن ربما تراجعت لأسباب اقتصادية أو بسبب الجفاف الذي ضرب البلاد في السنوات الأخيرة، ما أثر في إنتاج الحقول والمزارع الموقوفة لصالح موائد الغرباء الرمضانية ولذا تراجعت في بعض المناطق والقرى القريبة من الأسواق، أما القرى النائية والبعيدة عن المراكز الحضرية، حيث لا يوجد مطاعم ولا مقاهي ما تزال هذه العادة منتشرة والعديد من الأسر تحافظ عليها حتى وإن كانت ظروفها صعبة.
ويشير الحاج أحمد الرجاعي إلى أن «عادة إفطار الصائم لا تزال منتشرة في القرية والمدينة على حد سواء، فالعائلات الميسورة أو التي في ذمتها وقفية منذرة لإفطار الغرباء وإطعامهم خلال الشهر المبارك والتي انتقلت إلى المدينة ما زالت متمسكة بهذه العادة الحسنة وتراها التزاماً واجب الأداء،


