غريب في بلد عمله، لا دار تأويه سوى بيت صغير يجمعه ومجموعة من الأصدقاء، الذين دفعتهم ظروفهم المادية إلى القدوم إلى القاهرة مغتربين؛ من أجل كسب العيش.. يحب اطلالة شهر رمضان الكريم، الذي يتزايد فيه الرزق، ويتلقى فيه دومًا دعوات الإفطار الجماعي، أو موائد الرحمن.. تراه في سوق أرض اللواء القريب من حي المهندسين الشهير، يجلس القرفصاء، وأمامه أشياء صغيرة لا تظهر بوضوح إلا عند الاقتراب منه، مطرقة، وأدوات أخرى يستخدمها في العمل.. اسمه محمد القرقصاوي ومهنته عامل تراحيل، في الأيام العادية يلتحف السماء ويمضغ حبوب الصبر لا يفكر في نفسه فحسب بل يتذكر من تركهم خلفه من أهل وأحباب وأعزاء وأصحاب.
يجلس بجانب أقرانه يوميًا على أحد الأرصفة في السوق، ينتظر أن يأتي أحدهم ليطلب عمال تراحيل، فقد يقع عليه الاختيار، ويبدأ المهمة مع آخرين وليحصل في نهاية اليوم على 70 جنيهًا مقابل كده وتعبه.. وتتلخص مهنة القرقصاوي في حمل الأشياء الثقيلة كالأثاث أو الرمل، أو هدم الحوائط والأسقف وما إلى ذلك.. جاء من المنيا بصعيد مصر وتحديدًا من مركز "أبوقرقاص" إلى القاهرة؛ بحثًا عن عمل، فلم يجد سوى تلك المهنة التي عمل بها منذ أن كان عمره 18 عامًا، لما كان يجلس بإحدى الأسواق في قريته، ينتظر "المقاول"؛ كي يطلب منه أن يساعده في إنجاز عمل بعينه.
يحكي عن حياته وذكريات أيامه فيقول: "أتغيب عن أسرتي معظم أيام السنة، وأقضي شهر رمضان كاملاً في القاهرة.. ففي هذا الشهر يكثر الرزق، سواء في العمل، أو في نفحات أهل الخير، التي تُوّزع علينا يوميًا، وتُسهِم بدرجة كبيرة في تدبير أمور المعيشة.. فهو شهر فضيل وكله خير ورزق وبركة "، كذلك يصف ليالي شهر البركات، بنفس راضية وصافية. فعلى الرغم من أن عزوة الأسرة أحب إليّ من عزوة أقراني في المهنة، ومن غربتي في القاهرة، إلا أنني أعشق هذا الجمع الطيب في رمضان على وجه التحديد عن غيره من شهور السنة، خاصة دعوات الإفطار الجماعية، وجلسات السمر، والذكر عقب صلاة القيام.
ويضيف: أعشق السفر بطبعي، وأحب أن أجول المحافظات، وأعمل فترات متقطعة في محافظات مختلفة، لكنّي أجد لذّة رائعة في القاهرة خلال شهر الكريم، فهنا الجود والكرم، و"الناس الطيبون".. وللشهر مذاق مختلف، ورزقه مختلف، أشعر بالبركة في كل فعاليات يومي. وعلى الرغم من ذلك يحلم القرقصاوي بأن يقضي رمضان المُقبل بين أسرته، ويعيش معهم إحساس الأجواء الرمضانية ولمة الأهل والصحبة الطيبة.

