تقف منطقة وادي السدر على ربوة تستريح فوق أكتاف إمارة الفجيرة، ويصطلح في ربوعها التراث مع الحداثة، ففيها ترتفع الأبنية الحديثة بصورة «فيلّا»، وتنطق المساجد القديمة، وأشجار السدر بقصة حياة مجيدة عاشها الناس الذين سكنوا، ولا يزالون، هذه المنطقة الجميلة.

وأنت في طريقك إلى وادي السدر، تشعر كما لو أنك في رحلة البحث عن المجهول، أو في سفر مهيب، ستجد بعده عروساً جميلة مختبئة بين سفوح الجبال، وتضع على جبينها تاج الجمال.

ولأنها منطقة جميلة، يعلوها اللون الأخضر المنبعث من أشجار السدر، التي لا يزال بعضها صامداً رغم زحف المدنية الحديثة، فإنها تبدو كمن تُتخطف بين إمارتي الفجيرة الأم، ورأس الخيمة الجارة، ممتدة بين مناطق وادي كوب الخيماوية والطويين الفجراوية من جهة شمالها، وعسمة الخيماوية ويعلا الفجراوية من جهة جنوبها.

في وادي السدر تختفي «خنقة» الزحمة، وضجيج المدن، ويظهر، بدلاً منهما، هدوء الريف وروعة المكان. ففي تلك المنطقة الوادعة يستطيع المرء أن يجد ملاذاً آمناً من ضغوط العمل، وملاحقة المتطفلين، هناك تشتم نسمات الجبل العليلة في الصيف، وتتدثر بلحاف الوادي الدافئ في الشتاء، وهناك تستيقظ في الصباح الباكر لتستنشق هواء عليلاً لفظ عوادم الشاحنات والسيارات، ومخلفات المصانع والآلات.

وعلى الرغم من أن 99% من سكانها، بحسب شهادات أهلها لـ«البيان»، اتجهوا إلى الوظيفة، في محاولة منهم للبحث عن راحة العيش، بعيداً عن مشقة العمل في الأرض تحت حرارة الشمس في الصيف، وبرودة الشتاء، فإن كثيراً من الجيل القديم مازال ممتشقاً مبدأه بالارتباط بالأرض التي أطعمته وأبناءه لعشرات السنين، فيزرع الملفوف والجزر والبصل والخس والبندورة والخيار والكزبرة والبقدونس والجرجير والكوسا، ضارباً بذلك عصفورين بحجر: الاستئناس برائحة الأرض بعد عمل يوم طويل، والتصدير الذي يزيد من الدخل «بحسب الأرزاق» التي يجود بها السوق.

غير أن كل مشاكل أهل وادي السدر في كفة، ومشكلة شجر السدر في كفة أخرى، ذلك أن السدر مرتبط بوجدان أهالي هذا الوادي، فهم يعتبرونه جزءاً من تكوينهم، قطعة من أرواحهم، نمت عيونهم على شكله، وتعرفت أنوفهم حاسة الشم على رائحته، وتلمست أناملهم في مهودهم أوراقه، ولأن السدر يحتل في حياتهم موقع القلب، فإن الحديث عندما يتطرق إلى شجر السدر، يطفح على وجههم شبح الضيق، والسبب أن ندرة الأمطار أفقدتهم أكثر من 70% من حجم الأشجار التي كانت تكتنزها أرضهم، فحرموا بذلك من لطف الجو، وعلق المواشي، ومآرب أخرى كانت لهم فيه.

ولأن «خيركم خيركم لأهله»، فإن وادي السدر من خيرة مناطق الدولة بما يقدمه لأبناء الإمارات، حيث يصدر عشرات الأطنان من التمر في كل موسم، تنقل إلى العين، وهناك يتم التعامل معها تعبئة وتسويقاً.

تزدان وادي السدر بأحد عشر مسجداً، أكبرها مسجد حليمة السعدية الذي ينتصب في ساحة الوادي، في طليعة مستقبلي زوار هذا المكان اللطيف.

ولا تزال مزارع النخيل والمزروعات الخاصة تحتفظ بوجودها إلى جانب كل بيت من بيوت وادي السدر، وترتوي هذه المزارع من الآبار التي يجهد أبناء الوادي في حفرها، كي تؤمن لهم ماء الري، الذي يسقي مزروعاتهم، ويضفي رونقاً على حياتهم.

شجرة السدر

تحدثنا مع أكثر من شخص من سكان وادي السدر، وفي كل مرة، ومع كل شخص منهم، كان الجامع المشترك بينهم جميعاً هو الحديث عن حجم الغصة التي تركها غياب شجر السدر، لدرجة أن بعضهم تحدث عن شعوره بـ«الغربة» و«الوحشة»، حتى وهو بين أبنائه، لأنه حتى الآن لم يتكيف مع تراجع أعداد الشجر بنسب كبيرة، رغم أنه مضى على هذه الظاهرة عشرات السنين.