أول ما يشد نظر زائر المناطق الإماراتية البعيدة عن مراكز المدن، تلك البيوت القديمة التي بنيت قبل مئات السنين، وكذلك بساطة وتواضع الناس وكرمهم الحاتمي، أما مناظر الطبيعة والمزارع وأشجار النخيل المنتشرة في كل مكان، فهي مشاهد تسر لها العين، ولذلك فإن الزائر لمنطقة (فلي) التابعة للشارقة يندهش لمآثرها وقلاعها التاريخية و(أفلاجها) الجميلة، والذي بدا بعضها آيلاً للسقوط بسبب قلة الاهتمام من قبل بعض الجهات المختصة.

والوصول إلى (فلي) يمر عبر (المدام) التي تبعد عنها نحو 20 كيلومتراً، وبينهما لابد أن تمر بمناطق أ خرى مثل (البحائص والثميد وأم الصفاة وبولك وبن حسن)، وهي مناطق متجاورة وقريبة من بعضها، وأول ما يصادفك من معالم (فلي) الحصنان القديمان ثم المزارع التي انتشرت على جوانب الطريق وهي مزارع لشخصيات ولمزارعين مواطنين، وكلما تعمقت أكثر، اكتشفت فيها أشياء كثيرة تجعل منها منطقة متميزة بطبيعتها وبيئتها.

كيف تم الوصول إلى هذه المنطقة وما الدافع لزيارتها، ومن كان المرشد في هذه الجولة المتميزة بل والفريدة؟ نظراً لما وجدته فيها من بصمات تركها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وظهرت بعد وفاته بشكل لفت نظر سكان المنطقة.

 

دافع الزيارة

في اتصال مفاجئ من هويدن معضد، أحد أبناء المنطقة، طلب مني زيارة سريعة لاكتشاف مكان مهم لم يعرف من قبل، وعندما سألته ما هو، أجابني ليس الآن ولكن أحضر معك الكاميرا فالأمر يستحق التصوير.

كان الوقت ظهراً عندما انطلقت من دبي باتجاه منطقة المدام، وبعد تجاوزي الدوار متجهاً شمالاً سرت باتجاه واحد حتى صادفني دوار آخر.

فانطلقت يميناً ولم تمر دقائق قليلة حتى استوقفتني لوحة إرشادية تشير إلى موقع منطقة (البحائص)، ثم لوحة أخرى (الثميد) وثالثة (أم الصفاة) و(بولك) و(بن حسن) وجميعها مناطق متقاربة من بعضها، بعدها مباشرة تدخل (فلي) وهنا تبدأ بالظهور أمامك عناوين الجمال، والمناظر الخلابة من مزارع ومعالم حضارية رسمت في صدور أهالي المنطقة قبل أن تقام على الأرض كدليل تاريخي.

في مكان من مداخل المنطقة انتظرت رسول الأخ معضد فجاءني أحد الإخوة من المقيمين العرب وأخذني إليه، وبعد السلام والسؤال قال لي تحب ان نذهب الآن أم انك تريد أن ترتاح قليلاً، فرددت عليه بل جئت لأشاهد الحدث الغريب، فاتجه بي الى منطقة تحيط بها الجبال من جهة سلطنة عمان، وقال لي انظر الى تلكما البحيرتين، لقد كانتا قبل فارغتان من المياه لأعوام طويلة، نحن أبناء المنطقة لم نكن نعرف عنهما شيئاً إلا عندما امتلأتا بالماء، وكان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، قد أمر ببنائهما في عهده.

وسميتا (بحيرة فلي 1 وبحيرة فلي 2)، هذا الكلام سمعناه مؤخراً من كبار السن، أما نحن فلم نعرف ذلك ولم نشاهدهما من قبل، واليوم أصبح لدينا بحيرة جميلة بهذا الكبر، هذا هو الخبر الأهم.

بعد ذلك تجولت في منطقة (فلي) فشدني منظرها الجميل ومزارعها التي انتشرت في كل مكان، والافلاج التي حفرت في المناطق الجبلية المرتفعة، عندما كانت مياه الأمطار المصدر الرئيسي لمدها بالحياة، أما اليوم فقد أصبحت أنابيب الماء منتشرة في كل مزرعة وبيت، ثم لفت نظري حصن عبثت به يد البشر وعوامل التعرية، وقيل لي ان هذا الحصن قد استعمل في فترة سابقة كمخفر للشرطة، بينما الحصن الآخر الذي يقع بالقرب منه قد هدمت قلعته تماماً، وكان يسمى في السابق حصن الشيخ عبدالله بن علي بن هويدن، هكذا بدت لي (فلي) لؤلؤة في إمارة الشارقة.

من خلال لقائي بعدد من المواطنين وجدت فيهم الطيبة والبساطة والتواضع، يسبق ذلك كله ترحيبهم بالضيف وتكريمه بالكرم العربي الأصيل، و(فلي) المنطقة السكنية القديمة، سكنها الأجداد منذ مئات السنين، وأول من سكنها قبيلة بني كتب (الكتبي) وهي من قبائل الإمارات المشهورة، ويقال إنهم من قبيلة بني تميم المضرية العدنانية، ومعروف عن غالبية سكان الإمارات هم من القبائل العربية الأصيلة.