في الطريق من دبي إلى منطقة مصفوت بإمارة عجمان، لا بد من المرور عبر مناطق الهباب والبداير والمدام، وما بين المدام ومصفوت ينبغي المرور بجزء من ولاية محضة العمانية، حيث تقع بينهما نقطتا تفتيش تابعتان لجيش الإمارات، الأولى تقع بعد الخروج مباشرة من المدام والأخرى بعد الخروج من منطقة مصفوت.

في هاتين النقطتين يقابلك شباب من رجال الجيش يستقبلونك بأدب واحترام وبابتسامة تدل على أخلاقهم العالية ومدى تعاملهم مع الناس.

وفي مثل هذه الأيام يقف هؤلاء الشباب في أجواء ومناخ حار، لكن ذلك لم يمنعهم من أداء الواجب واستقبال الناس بمثل هذا الاستقبال الرائع، بالطبع وأنت داخل إلى منطقة مصفوت أول ما يصادفك هو مزارع (مزيرع) وأشجار النخيل المحيطة بها، وترى مشهدا جميلا يعكس حسن هذه المنطقة وبهاءها.

في يوم جمعة تجولت في أنحاء منطقة مزيرع، التي هي جزء من مصفوت، التابعة لإمارة عجمان بموقعها الفريد، وتربطها طرق واسعة بالشارقة ودبي من جهة الشمال، ورأس الخيمة وأم القيوين من الجنوب، والذيد والفجيرة من الشمال الغربي.
 
ولفت نظري هدوء المنطقة وبيوتها المتناسقة التي تداخلت فيها (الفلل) الحديثة بالبيوت الشعبية القديمة التي ما زالت شاهدة على تاريخ المنطقة القديم، حين كانت المياه تروي الأرض لتنبت الأشجار المثمرة، والوعول والظباء ترتع في الوديان، وكيف كانت أيضا أرض التداوي بالأعشاب الطبيعية، ليس ذلك وحسب بل مزيرع هي بلد العسل حين كان ينتشر في جبالها، وكل من كان يحصل عليه يضع علامة كدلالة أن شخصا ما قام باكتشاف مكان العسل.

تاريخ
مزيرع أيضا وكما وصفها أحد سكانها سعيد الكعبي، يمتد نسب معظم سكانها إلى بني كعب وهي من أعرق القبائل العربية الأصيلة، وعدد كبير منهم أهل شعر وفكر، وبعضهم يعود في نسبه إلى قبيلة (بدوات) ذات الجذور الراسخة في منطقة حتا المجاورة لمصفوت، والأهالي هنا إلى جانب تآلفهم وشعورهم بأنهم عائلة واحدة، إلا انك تجد فيهم الطيبة والبساطة والتواضع، وأهم عنصر يربط السكان منذ القدم الترابط الاجتماعي القوي بين كافة الأهالي.

ويتجسد ذلك أكثر في شهر رمضان، حيث للأهالي هنا عادة درجوا عليها في حياتهم الماضية وحياتهم الحالية، وهي أن سكان البيوت المتقاربة يجمعون كبيرهم وصغيرهم على مائدة إفطار واحدة، وفي المساء يذهب الرجال ومعهم أبناؤهم إلى صلاة التراويح جماعة في مسجد مصفوت القديم، أما صلاة العيد فيؤدونها في أرض واسعة في الصحراء عندما لم يكن هناك مصلى، لكن اليوم يمكن القول ان الحياة اختلفت بعض الشيء، وتغيرت كثير من العادات بسبب تباعد البيوت وانتقال البعض إلى (الفلل) الكبيرة، وأصبحت الزيارات فيما بين الناس قليلة للغاية.

ذكريات
أهل مزيرع وكذلك مصفوت تجمعهم العادات والتقاليد الواحدة فهم ينتمون لمنطقة واحدة، لهم نمط حياتي عاشوا عليه منذ سنين طويلة، وفي أكلهم ومعيشتهم يعتمدون على التمر والخبز والعسل والسمك والأرز، وبحكم أن المنطقة زراعية وتمتاز بالتربة الخصبة، فالمزارع فيها منتشرة بكثرة.

وكذلك أشجار النخيل التي تمتد على مساحة واسعة من أراضي مزيرع، والأهالي فيها يعتمدون على الزراعة في حياتهم، ولكن مع ظهور النهضة الحديثة التي شملت كافة مدن ومناطق الدولة، انتقل شباب مزيرع ومصفوت إلى العمل في مؤسسات الدولة المختلفة، وكثير منهم يعمل حاليا في القوات المسلحة، بينما كبار السن يعيشون على ذكرياتهم القديمة، فما زال الكثير منهم يرفض الانتقال من مزيرع إلى مكان اخر مهما كانت المسببات.

في ختام جولتي اعترضني أحد أبناء مزيرع ليسألني عن سبب تصويري المنطقة، وعندما عرفته بنفسي فرح جدا وطلب مني أن أنقل رسالته لتصل إلى كل مسؤول، وقال سلطان راشد: مزيرع منطقة جميلة من أجمل ربوع بلادي، تحتضنها الجبال من كل جانب، تجذب السياح في موسم الشتاء للاستمتاع بأجوائها الساحرة، لكنها تفتقر إلى الخدمات التي تندرج ضمن المطالب الأساسية لسكانها، وبالرغم من كونها أرضا زراعية إلا أنها تفتقد إلى الحديقة التي هي مطلب كل النساء والأطفال والى تعبيد طرقها الفرعية.

وكذلك نعاني من مشكلة الاتصالات التي تتداخل بصفة مستمرة مع الشبكة العُمانية، وأخيرا أقول إن المنطقة تنقسم إلى قسمين مزيرع القديمة التي أنشئت منازلها في الثمانينات، ومزيرع الجديدة بمساكنها الحديثة، ولكن تظل المنطقة مع تزايد عدد سكانها بحاجة إلى خدمات صحية وتعليمية وإسكانية تواكب هذه الزيادة السكانية.