لم يكن يدرك ذاك الفتى اليافع أن حياته ستتغير باتجاه معاكس لما كان يرغب فيه بعد تخرجه في الثانوية العامة، فقد أبصر النور في كنف والديه في مصر وعاش وترعرع فيها، إلا أنه اختار لنفسه الغربة والسفر ليشق طريقه في أرض غير وطنه، حيث سافر إلى أميركا وهو في الثامنة عشرة من عمره لدراسة علوم الكمبيوتر فقضى أول سنوات غربته في تعلم اللغة الإنجليزية ليتمكن من التعايش مع شعبها وإكمال مسيرة تعليمه، إلا أنه وبعد مضي القليل من الأشهر وجد نفسه يسلك طريقاً آخر نحو الطيران. ومن خلال نجاحه المتميز في مهنة الطيران عشق تدريب الطلبة على التحليق.

إنه الكابتن محمد عبدالحميد الهانسي كبير مدربي الطيران في كلية الفجيرة للطيران.. دخل عالم الطيران من دون تخطيط مسبق، إذ لفتت دراسة الطيران نظره بعد أشهر قليلة من التحاقه بدراسة الكمبيوتر، فوجد نفسه يحول مسار دراسته إلى كلية الطيران الأميركية ليصبح مدرب طيران مدني.

عمل جاهداً على نفسه ليتأقلم في أجواء الغربة والتعايش مع مختلف الجنسيات هناك .. لديه شخصية محبوبة ومؤثرة فيمن حوله استطاع من خلالها إكمال مسيرته في تعلم أساسيات الطيران وسط مجموعة كبيرة من الطلبة من جاليات غير عربية أو مسلمة، وذلك في عام 2000 حيث كان الكابتن محمد الهانسي الطالب العربي الوحيد في كلية علوم الطيران الأميركية.

ويذكر الكابتن محمد أن كونه العربي المسلم الوحيد في ذلك الوقت لم يشكل له تحدياً كبيراً، بل على العكس من ذلك، خاض التجربة بكل ثقة وأكمل مسيره في علوم الطيران.

ووجد لنفسه إلى جانب رغبته في الحصول على شهادة مدرب طيران رسالة دينية أخرى تكسب الموجودين معه من طلبة الكلية ثقافة غير مشوهة عن الدين الإسلامي والمسلمين. حيث سعى إلى تمثيل أخلاق الإسلام في كل مبادئ حياته العلمية والعملية ليكون قدوة لغيره، وحصل على دعم وتشجيع عائلته في المسار العلمي الذي اختاره لمستقبله.

مدرب طيران

أنجز دراسة علوم الطيران في الأكاديمية الأميركية لعلوم الطيران خلال 4 سنوات، كانت السنة الأولى منها نظرية و3 سنوات أخرى ممارسة تطبيقية لمهارات التعامل مع أجهزة الطيران والطائرة فضلاً عن تجربة التحليق بها منفرداً في الهواء، وتعلم أساسيات الهبوط بالطائرة.

والتي تعد الأصعب من بين الكل، فقد نجح الكابتن محمد الهانسي رغم صغر سنه في تخطي صعوبات اللغة واختلاف الثقافة وسعى إلى صقل خبرته العلمية إلى أن أصبح مدرباً للطيران معترفاً به عالمياً.

عمل في بداية تخرجه في إحدى كليات الطيران الأميركية كمدرب للطائرات ذات المحرك الواحد وهو في 25 من عمره، واستمر في العمل هناك لمدة 3 سنوات، إلا أنه وبسبب الضغوط التي كانت تمارس على العرب والمسلمين خصوصاً العاملين في مجال الطيران بسبب الأحداث السياسية، فضل الكابتن محمد الانتقال للعمل في دولة الإمارات، وبالذات في أكاديمية الفجيرة للطيران بعد أن سمع عنها.

وأكد الكابتن محمد أن تجربة العمل في الإمارات أضافت له الكثير وحققت له الاستقرار الذي كان يبحث عنه، حيث ينعم هو وعائلته الصغير المكونة من زوجته وولديه (آدم وعمر) بالراحة التي أذابت معها مشاعر الغربة عن الوطن الأم. إذ يجد نفسه واحداً من أبناء دولة الإمارات ولا يشعر بالفرق رغم تعدد الجنسيات فيها.

أحب الهانسي الطيران فأبدع في تدريبه للطلبة الذين يتوافدون للأكاديمية من كل دول العالم، فقد نجح خلال عمله في أكاديمية الفجيرة في تدريب ما يزيد على 100 طالب، وأوضح أن رخصة الطيران تمنح للخريجين بعد اجتيازهم 18 شهراً من الدراسة النظرية والعملية. إذ يستغرق الطالب الواحد 6 أشهر في الدراسات الأرضية و12 شهر في التطبيق العملي على أنواع الطائرات والمدرجات الأرضية والمغامرات في الأجواء العاصفة.

يتعامل الكابتن محمد مع مهنته في التدريب على الطيران بروح المتعة والمغامرة، حيث يخوض تجارب يومية مختلفة مع طلبته تضعه في مخاطر وتحديات قد لا ينساها، إلا أن حبه للطيران جعله يختار مسار التدريب على أن يكون طياراً في إحد شركات الطيران العالمية.

إذ يشرف كونه كبير مدربي الطيران على 12 مدرب طيران يعملون في أكاديمية الفجيرة، ومتمكن من قيادة طائرات Cessna 172 ذات المحرك الواحد، وطائرات Daemon40 و42 وهي طائرات ذات محركين.

كما يعد عضواً مشرفاً على أكاديمية الفجيرة للطيران من قبل هيئة الطيران المدني بالدولة لتطبيق المعايير والشروط الخاصة بالطيران المدني. حاصل على شهادة معتمدة في قيادة طائرات Boeing 737 من أميركا. وفخور كونه درب العديد من الطيارين الذين يعملون حالياً كمدربين أو طيارين في شركات الطيران الكبرى.

الأمن والاستقرار

كانت تجربة الانتقال إلى الإمارات في عام 2007 على حد وصف الكابتن محمد، رائعة، حيث تمازجت الإمكانيات والخبرة مع الأمن والاستقرار، ووجد نفسه في تطور دائم مع وسائل وإمكانيات الأكاديمية التي بدأ فيها كمدرب لطائرات ذات محرك واحد، ثم في السنة الثانية بدأ بتدريب الطلبة على طائرات ذات محركين إلى أن أصبح في عام 2009 كبير مدربي الطيران في الكلية.

اللامبالاة والتسرع واليأس صفات غير مرغوبة في الطيار

يشير الهانسي إلى خصوصية صفات الطيار، إذ لا تتوافق بعض الشخصيات والصفات مع مهنة قائد الطائرة، ومن ذلك تعد الاختبارات الشخصية التي يخضع لها الطيارون في بداية مراحل التسجيل في غاية الأهمية، إذ تكشف عن الصفات الشخصية غير المرغوبة في الطيار، والتي لابد أن تتم قبل البدء في عملية التدريب على الطيران منها: اللامبالاة والتسرع والثقة الزائدة واليأس.

في المقابل يستحب في الطيار أن يكون شخصاً متعدد المهام يستطيع استقبال الأوامر من البرج والتعامل في نفس الوقت مع أجهزة تحكم الطائرة فضلاً عن التواصل مع جهات متعددة، ولا بد أن يتمتع بحسن اختيار القرار والتصرف في حالات الطوارئ، والهدوء مهم جداً في وضعية الطيران، لافتاً إلا أن مهنة التدريب على الطيران أدخلته في تجارب صعبة تعامل معها بحكمة شديدة للتقليل من الخطر المحتمل وقوعه.. ويذكر في ذلك إحدى الرحلات الجوية التي قام بها أثناء عمله كمدرب طيران في أميركا مع أحد طلابه.

حيث تعطل محرك الطائرة الأحادي وهم في الجو قبل وصولهم إلى مدرج المطار المفترض، إلا أن التواصل الدائم مع أبراج المراقبة والهدوء في التعامل مع العطل الفني أسعف الموقف. مشيراً إلى اكتسابهم بعض المهارات التي لابد من استخدامها في حالات الطوارئ القصوى كالهبوط بالطائرة في أحد شوارع المدينة أو بعيداً عن مدرجات المطار المعدة لها.

في شهر رمضان

من الناحية المهنية قد لا تقل نسبة المغامرة في الطيران في شهر رمضان، إلا أن خصوصية الشهر الفضيل والصيام تستدعي تغير مواعيد الإقلاع في تدريب الطلاب.. فالكابتن محمد يشير إلى حبه للعمل في شهر الصيام، حيث يضطر للإقلاع بالطلبة بعد صلاة الفجر تماماً وحتى وقت الشروق أو بعد صلاة العصر وحتى موعد الإفطار، بسبب اعتدال حرارة الجو في تلك الأوقات خصوصاً في فصل الصيف الذي يتزامن مع دخول رمضان هذا العام.

ولفت إلى تقليل ساعات الدوام على الطلبة في رمضان ودفعهم للإفطار في حالات السفر بالطائرة لمدة تتجاوز الأربع ساعات بدافع رسالة التعليم، حيث يصح للطالب المسافر الإفطار خصوصاً في بعض الرحلات الطويلة التي تتطلب تأمين الأمان للطالب خلال الرحلة في شهر الصيف وارتفاع حرارة الأجواء.

فيما يوضح أن التجمع العائلي والأخوي الذي يشهده منزله على صعيد حياته الأسرية هو من أجمل خصوصيات الشهر، ويعتبره من أجمل مواسم السنة، إذ يستضيف خلاله أفراد عائلته من مصر لقضاء الشهر معهم، فضلاً عن زخم الزيارات التي تتزايد في شهر رمضان بين الجيران والأصدقاء، والإفطار الجماعي والسحور العائلي في أجواء المطاعم وخارج المنزل.

ويؤكد خصوصية الإفطار الجماعي للعائلة وحبه الشديد للأجواء الأسرية في شهر رمضان، كما يحرص على زيادة أوقات العبادة والجلوس في المسجد لفترات أطول بهدف التعبد وقراءة القرآن، وأشار إلى أنه ينحدر من عائلة مصرية محافظة وحريصة على العبادة وقراءة القرآن بشكل دوري وليس فقط في رمضان، وهي من الأشياء التي يسعى الكابتن محمد لغرسها في أبنائه منذ الصغر.