«قل لي من ترافق أقل لك من أنت».. فما بالكم لو استمرت هذه الرفقة 40 عاماً مليئة بالقصص والحكايات والمواقف والقيم والذكريات، تلك هي رؤية ورواية الفريق حمد بن سهيل الخييلي، كبير المرافقين العسكريين للراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه. رحلة امتدت عقود، بدأت ولم تنته، فالرجل يحمل في ذاكرته الكثير والكثير مما يصلح للتأريخ والتوثيق.
لدى «بوخليفة» سنوات كثيرة تعلم منها مواقف غزيرة، تستحق كما يقول أن تدرس في الكتب والجامعات، تلك التي صاغها زايد رحمه الله، بفكره وصدقه، ونبل أخلاقه وانتمائه لشعبه وأمته العربية والإسلامية. إذ نشأ حمد بن سهيل الخييلي، وترعرع في العين، وظل مع الشيخ زايد مدة 45 عاماً كمرافق مدني وعسكري.
حي في قلوبنا
في مجلسه بمنطقة زاخر، ومن ذاكرته الخصبة، نستعيد ذكريات أيام انقضت بحلوها ومرها، بصعوبتها وسهولتها، فتح لنا حمد بن سهيل الخييلي باب مجلسه وقلبه وفكره، أول ما بدأ به كان الترحم على الشيخ زايد، الذي رحل جسداً وظل فكراً ونهجاً، وخلف رجالاً، يقتدون به ويواصلون حمل الرسالة وتأدية الأمانة.
وأشار إلى أن الشيخ زايد، رحمه الله، كان نهجاً فكرياً في السياسة والعمل من أجل الوطن، وهو ذو فطنة وذكاء حاد، يعرف الشخص من أول نظرة. يستمع لك بهدوء، ويرد عليك دون مجاملة..
فإن كانت لك حاجة أمر بقضائها وتسهيلها، ولم يسبق له أن رد محتاجاً، وهو لا يتردد في ما يقول، وقراراته حاسمة، ولم يندم يوماً على قرار اتخذه، ولا يتردد في مشورة أصحاب الرأي والخبرة في بعض القضايا التخصصية، كما أنه متابع جيد لتنفيذ الأوامر والقرار، حيث يظل يسأل ويتابع أي أمر له أو قرار حتى يتم تنفيذه كما يجب. ولا يتردد في محاسبة المقصر في تأدية دوره وواجبه.
سياسي صادق
والشيخ زايد كان يكره الكذب والخداع، على الرغم من أن السياسة فيها شيء من المخادعة والمراوغة، لكنه رحمه الله، كان يقول رأيه وموقفة بدون مخادعة وبصدق، فكان يرى أن السياسة الناجحة هي أن تصدق مع شعبك ومع ناسك، وأن تصدق في ما تقول وتفعل، وهو ما عزز من مكانته وموقفه لدى العديد من الرؤساء والسياسيين حول العالم.
وقال بوخليفة: لا تسأل عن الإنجازات بل انظر إليها، فهي تتحدث عن نفسها في كل مكان، وتلك الأفلاج في مدينة العين أكبر قصة حب وعطاء، بين الإنسان والأرض.
بداية الرحلة
وتطرق بوخليفة إلى بدايته العملية مع الشيخ زايد رحمه الله، إذ قال: بدايتي في العسكرية عام 1957، ومنذ عام 1959 حتى 1971، كنت مرافقاً مدنياً مع الشيخ زايد، ومنذ العام 1971 أصبحت مرافقاً عسكرياً له حتى وفاته رحمه الله عام 2004.
وأضاف: التحقت بالعسكرية عندما كان عمري 15 سنة، وفي ذلك الوقت كان الالتحاق بالعسكرية هدفه الحصول على العمل، وقد كان الشيخ زايد يدعم وبقوة دخول العسكرية، من باب الحاجة إلى عناصر وطنية تساهم في حماية الوطن، إذ كانت قوة ساحل عمان في ذلك الوقت تحت إدارة الإنجليز.
وكان الشيخ زايد رحمه الله، يريد من أبناء الوطن أن يتدربوا ويتسلحوا بالمعرفة ليكونوا نواة لقوة عسكرية وطنية، لذلك كان التحاق المواطنين بالعسكرية عبارة عن خدمة وطنية في المقام الأول.
حسب ونسب
عن العلاقة العائلية، يروي بوخليفة أن الشيخ زايد رحمه الله، تزوج شقيقته وهو يتدرب في العسكرية في إمارة الشارقة، وفي الأثناء أصر عليّ الشيخ زايد أن أبقى إلى جانبه..
ومن ذلك اليوم استمررت مع الشيخ زايد، لم أفارقه إلا في بعض الأوقات التي كان يكلفني فيها ببعض المهام لفترات قصيرة. فقد كنت دائماً بقربه وأركب معه في السيارة، فقد عاش رحمه الله في المنطقة وعرفها معرفة وطنية وجغرافية، وكان ملماً بكل شيء، ولديه أسلوب اجتماعي متميز، وفطنة وذكاء، يستطيع بها تحليل شخصية الذي يقف أمامه ومآربه.
غرفة خاصة
كان رحمه الله عالماً بالأنساب، وبالشعر، وعالماً بالمنطقة كاملة، من يسكنها، وحتى مياهها الجوفية، والحيوانات التي تعيش فيها، وحافظ للقرآن والأحاديث، وإذا تكلم في التجارة تكلم معك كخبير، وإذا تكلم في الهندسة تكلم من وحي المخططات والمشاريع، وإذا تكلم في السياسة فهو سياسي من الطراز الأول، وإن «طريت» الحكمة فهو حكيم، فسمي «حكيم العرب».
توقف بو خليفة عند هذا و النفس مليئة بذكريات لا تنسى حفظها معنويا في غرفة هي أعز الغرف إلى قلبه تحوي مجموعة كبيرة من الصور، تعد أرشيفاً ومتحفاً وثائقياً، يوثق لرحلة استمرت أكثر من 40 عاماً، رصدت حياته ورحلاته ولقاءاته مع ملوك ورؤساء وكبار الشخصيات، في مناسبات عديدة. عند كل صورة يتوقف الخييلي ليشرح لنا مضمونها ومناسبتها.
ويعتبر الخييلي تلك الغرفة من أعز الأماكن لديه، فهي محطة لكل زائر.
9 أبناء
يختتم حمد الخييلي: تزوجت في بداية الستينات، وكان عمري وقتها نحو 20 عاماً، ولدي من الأبناء تسعة، أكبرهم خليفة، ثم عويضة، وعبدالله، وسهيل، وناصر، وجابر، وسلطان، وسعيد، ومحمد. جميعهم درسوا وتعلموا في عهد زايد، رحمه الله.
مواقف من حياة زايد
• ذات يوم كان زايد، رحمه الله، مريضاً، فطلب منا مرافقته في جولة عمل، وانطلقنا من أبوظبي إلى طريق الخزنة، ووصلنا منطقة الحيران، وسيح الحما، وسيح النشاش، ورجعنا من طريق الشاحنات باتجاه مدينة العين حتى وصلنا غابة الحفار عند الظهر، وطول الطريق وهو يناقش ويخطط ويعطي توجيهاته..
وقد كان في غابة الحفار شجر «غويف» فأراد زايد أن يستبدله بالنخل، ثم عدنا إلى الخزنة كي نستريح، وكان رحمه الله يسابق الزمن، وبعد أن تناولنا طعام الغداء، ودخل كي يرتاح قليلاً، وإذا به يطلب منا بعد عدة دقائق أن نذهب إلى المبزرة الخضراء في مدينة العين.
• في ذلك اليوم قطع زايد نحو 500 كيلومتر رغم ظروفه الصحية الصعبة، فقد كان رحمه الله لا يجد في الجلوس والنوم راحة، بل إن راحته وسعادته في أن ينجز عملاً وينفذ مخططاً أو مشروعاً. كما كان يشعر بحاجة ومشكلة المواطن، وهو دائماً يقول للمسؤول «خلك مكان المواطن وشوف كيف تريد الدولة أن تتعامل معك».
• عام 1988، كادت المياه الخارجة من الأرض أن تغرق بيوت القوع إذ كانت أرضها منخفضة، وجاءوا بمهندسين وخبراء لحل المشكلة، ويوم علم بها زايد رحمه الله، ذهب إليهم وطلب أن يحفروا قناة على طرف القوع تصب جنوب القرية بعدة كيلو مترات، وفعلا تجمعت مياه في هذه القناة وأصبحت بحيرة كبيرة.
• في إحدى المرات أجرى زايد عملية لرقبته في أميركا، استغرقت 7 ساعات وفي اليوم الثالث وهو في غرفته هناك، اتصل مع المشرفين على مشروع كان أمر بتنفيذه في منطقه أم العوش جنوب الوقن، ليستفسر أين وصلوا بمشروع لخدمة المزارع، فأجابوه أنهم حين حفروا الآبار وجدوا مياهاً مالحة، فطلب منهم صب الخرسانة في الآبار، وحفر غيرها بحثاً عن الماء الصالح للزراعة.


