لشهر رمضان خصوصية كبيرة، فهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر الهبات والعطايا، ومنن من الحق سبحانه وتعالى. وليوسف البحر المحامي الإماراتي الشاب، مع شهر رمضان ذكريات منها المفرح وبعضها محزن، الإيجابي فيها اجتماع العائلة ساعة وقت الإفطار ولم شمل الأسرة في أجواء عائلية في غاية الروعة، في ظل وجود الوالدة والأشقاء والشقيقات، والعمة والعم.

ويضيف البحر: هذا العام انتابني الحزن، مع إيماني بالقدر خيره وشره، إذ أنه أول رمضان يمر على عائلتنا ولا يكون والدي المرحوم محمد حسن البحر بيننا، إذ لطالما حرص والدي رحمه الله، على البقاء مع العائلة وقت الإفطار، في أجواء رمضانية فريدة لا تقبل عنده القسمة على اثنين.

أيام الطفولة

ويؤكد أن ملامح الشهر الفضيل لا تغادر الذاكرة رغم السنوات، ويذكر حينما كان الأهل يحثون الصغار على قراءة القرآن، والمواظبة على أداء الصلوات في المسجد، والاستماع إلى خطب وتوجيهات ذوي العلم، واصطحابهم إلى صلاة التراويح، والوعود التي ينتظرها الأبناء من جوائز وهدايا في حال صبرهم على العطش والجوع، في سبيل تقوية عزيمتهم على التحمل والصبر، ومواصلة الصيام، والتذكير بفضائل الشهر الكريم، وكيف أن الدعاء مستجاب في هذا الشهر، والأجواء الروحانية، وأيضاً الاحتفال بختم وحفظ القرآن الكريم، فختم كتاب الله كان يعدّ إنجازاً عظيماً.

ويضيف البحر: كان الأهل يأخذوننا إلى المطوع، لغرض تحفيظنا القرآن الكريم خلال الشهر الكريم، وتعلم الأناشيد الدينية، وفي نهاية الشهر يتم تنظيم احتفال في المسجد، لتكريم الصغار، ومنذ ذلك اليوم الجميع يستعد لارتداء أجمل الثياب، «الكندورة» البيضاء و«الغترة» في العصامة.

مهنة المحاماة

ويذكر أن مهنة المحاماة من المهن الجليلة والرفيعة، وتعتبر من أهم المهن وأشرفها، فهي مهنة الجبابرة والعظماء، ويشترط لها العلم قبل العمل، وليست عملاً بلا علم، كما لأنها تظل في الوقت ذاته من أشق المهن، لأن فيها الخلق والإبداع، ولأنها تفرض على المحامي أن يحيا مثلها.

ويتحلى بقيمها، وأن يعطيها كل وقته، فهي لا تدع له وقتاً للراحة، وهو رسول الحق، قال عنها روجيسيو- رئيس القضاة الأعلى في فرنسا في عهد لويس الخامس عشر: «المحاماة في تجردها من القيود تسمو إلى أرفع منزلة دون أن تفقد شيئاً من حريتها، وهي كالفضيلة في ترفعها عن التبرج، تستطيع أن تجعل المرء نبيلاً بغير ولادة، وغنياً بلا مال، ورفيعاً من غير حاجة إلى لقب، وسعيداً بغير ثروة».

أعراف وتقاليد

والمحاماة جزيرة لا تخضع إلا لسلطة نفسها، وإذا كان لكل المهن القانونية المنظمة، أعرافها وتقاليدها، فإن مهنة المحاماة تبقى من دون منازع، تتبوأ المكانة الأولى ضمن هذا المسمى حتى أُطلق عليها «مهنة الأعراف والتقاليد»، وتعد الأعراف والتقاليد مرآة لما ارتضاه أهل المهنة واستقر في ضمائرهم، واستتب في وجدانهم، إلى أن أصبحت ملزمة من دون التزام، إلا إلزام الضمير المهني.

وأن إحساس المهني بها وإدراكه لها، كثيراً ما يفوق إدراكه للقواعد القانونية العادية، إذ إن احترام الأعراف والتقاليد المستمدة من المثل العليا والقيم الفاضلة، يكفل لمهنة المحاماة الاستمرار والبقاء لمواجهة تحديات العولمة ومتغيرات العصر، ومواجهة أعاصير الأخطار التي تهدد أصحابها.

لذا فإن مهنة المحاماة تبقى متميزة ومتربعة على عرش المهن القانونية المنظمة، إنها نخلة باسقة تعلو كل الأشجار المثمرة الأخرى، يتمسك المنضوون تحت لوائها بالسلوك الحسن في علاقتهم مع الموكلين، ومع زملائهم ومع السلطة القضائية، وبذلك تكون الأعراف والتقاليد ذا شكل هندسي ذي أبعاد متعددة، وعلاقات المحامي المهنية والإنسانية تأتي على صور الالتزام وعلى شكل الواجبات. كما يقول المحامي يوسف البحر.

طقوس وعبادات

وبالنسبة لطقوس البحر الرمضانية، فهي تقوم على أعمدة رئيسة، ومقوِّمات عتيدة، تؤهل المسلم الصائم فيها للتغير في شتى جوانب الحياة البشرية، وهو ما يدعوه إلى مزيد من العمل البناء والحركة والنماء، وسمو الأخلاق، وارتقاء النفس إلى سماء العلياء.

وفي ثنايا هذا الشهر المبارك حالة رهيبة تعد أقوى مقوم وهي «دمج النفس المؤمنة بالاتِّصال بالخالق - جلَّ في علاه»، فنفسه تحثه على التغيير في كثير من جوانب حياته، سواء أكان ذلك في صيامه وإمساكه، ومأكله ومشربه، وحديثه ونطقه، وتهذيب أخلاقه، فرمضان بالذات من بين سائر الشهور تتهيَّأ له الأنفس باستقبال خاص به، وذلك لأنها تدرك أنها ستقبل على عبادة طويلة، ستأخذ منها ممارسة لشهر.

ومن مقومات هذا الشهر المبارك الصبر، وأنواع الصبر ثلاثة: الصبر على طاعة الله، حيث صيام شهر رمضان المبارك. وصبر عن معصية الله، بالصيام عن المحارم والمعاصي كذلك. وصبر على أقدار الله، حيث فرض الله تعالى صوم هذا الشهر كاملاً، خصوصاً أنه سيأتي في وقت شديد الحرارة.

أجمل لحظات الشهر الكريم، كما يختتم المحامي يوسف البحر، تلك التي تجتمع فيها العائلة حول مائدة الإفطار، وتكون الأجواء مفعمة الإيمان والود والرحمة، ولرمضان في حياة البحر كما غيره قيمة لا تحصيها الكلمات، هكذا قال.