لم تُجدِ محاولة الالتفاف بالأسئلة، نفعاً مع فتحي ناجي الصحفي، ذي الـ55 عاماً، للظفر بجملة تذمر أو نفور أو حتى تلميح إلى صعوبة عمله اليومي الممتد لساعات والمنتظم منذ سنوات، عند البوابة وبين مواقف السيارات، بحكم أنه يحمل مسمى مسؤول أمن في جمعية أم المؤمنين النسائية في عجمان، فكل المواقف التي عايشها فتحي منذ تسلم مهام عمله عند مدخل البوابة وبين «الباركنات»، تحفظ له شريطاً من القناعة والسرور يكتنزه في أعماقه، ويصنع به مستقبل أبنائه الذين يلتحقون بالجامعات تباعاً، ويظفرون بشهادات جامعية ترضي فضول الأب، رغم تواضع مسماه ومرتبه بالتأكيد.

فتحي الذي سكن الإمارات منذ 15 عاماً، أمضى معظمها وقوفاً عند البوابة، ومتنقلاً بين مواقف السيارات، لا سيما في أيام الذروة، في حفلات الزواج وبقية المناسبات، في شهور الصيف والحر غالباً، يرتبط مع مكان عمله بصيغة لا يفهمها أو يدركها كثير من الناس، فعلى الرغم من وجود أسرة تقيم معه في الإمارات، إلا أنه يمضي عند بوابة الجمعية غالب وقته، إن لم يكن كله، فحضوره يبدأ من السابعة والنصف صباحاً ويمتد حتى الثانية ليلاً غالباً، رغم وجود فترة استراحة ظهراً لبضع ساعات.

ابتسامة »سمراء«

في خضم هذه الملامح اليومية يسرد فتحي قصصه اليومية مع أهل المكان وزواره، التي تبدأ صباحاً في استقبال الموظفين والمسؤولين في الجمعية بابتسامته «السمراء» البسيطة، ثم ممارسة واجبه اليومي متنقلاً في أرجاء المكان الشاسع الذي يحتضن 5 قاعات للأفراح والمناسبات، تستوعب آلاف الزوار وقت الحفلات، إضافة إلى المقر الرئيسي للجمعية، ونادي الريان ودار أسماء.

بالطبع لا يتوقف عمل فتحي عند حدود تفقد المكان واستقبال زواره، وتأمين أفضل الخدمات والتوجيهات لكل من يقصد الجمعية، إذ تجده في كثير من الوقت متنقلاً بين السيارات في المواقف الخارجية الخاصة بالقاعات، لاسيما في أوقات الذروة من العام، وهي شهور مناسبات الأفراح عموماً، والتي تأتي بعد شهر رمضان، أي في قلب الصيف وسط الحرارة والرطوبة.

ضابط إيقاع

ويؤكد الصحفي أن حيويته ورشاقته وسرعة استجابته للمواقف المختلفة، تجعله يؤدي دور البطولة دائماً وسط زحام الزوار وسياراتهم، موضحاً أنه شخص حركي كثير التنقل والتجوال، ويؤدي عمله بإخلاص وأمانة وإتقان، وتلك الملامح لا بد أن تتوافر في شخص يظفر بوظيفة هي فاتحة أو مقدمة أو وجه المكان، كما هو لسان حاله «بواباً» وحارساً وضابط إيقاع الجمعية.

ويؤكد الصحفي أن بيئة عمله وسط أسرة مهنية متكاملة ومتفهمة ومقدرة لمهام كل موظف في الجمعية، تجعل منه أكثر إصراراً على إجادة الدور المنوط به وسط الزحام، مشيداً بجهود إدارة الجمعية وأسلوب تعاملها وحجم تقديرها لكل الأعمال المساندة والمكملة لقصة نجاح الجمعية، ومنهم عبدالرحمن الرئيسي مدير القاعات في الجمعية، والذي يحرص على تكامل الأدوار في بيئة عمل مريحة ومحفزة، سعياً إلى ترسيخ القناعة الإيجابية عن الجمعية لدى كل من يقصدها زائراً أو قاصداً مهمة أو محتفلاً بمناسبة ما.

2500 سيارة

طوال فترة إقامة فتحي الصحفي مسؤول الأمن، عند البوابة وبين مواقف سيارات جمعية أم المؤمنين النسائية، يتعامل يومياً مع أكثر من 500 سيارة خاصة لزائرين موزعين على عدد من قاعات الأفراح، إضافة إلى نحو 2000 سيارة في المواقف الخارجية التي لا تسلم أيضاً من نظرات الاطمئنان والتنظيم لفتحي. يكون ذلك في شهور الذروة، حيث الاحتفالات مستمرة يومياً في معظم القاعات، وهو ما يضع فتحي تحت اختبار شاق في استقبال وتنسيق وتنظيم وتأمين دخول ووقوف وخروج السيارات، دون الوقوع في متاهات لا تجلب له ولغيره سوى المشقة والمعاناة الإضافية.

وبحكم عمله في هذا الموقع بالتحديد، لا يغفل لحظة عن الداخلين والخارجين، ولا ترمش عيناه عن كل السيارات والشخصيات في حركتها الدائمة من وإلى الجمعية، بمن فيهم الشيوخ والمسؤولون والمواطنون والمقيمون، من كلا الجنسين.

وظيفة «عسل»

كثيرون يعرفون فتحي بالاسم، وأكثر منهم يعرفونه شكلاً، الجميع يعرفه من موقعه في الجمعية، ومن ابتسامته الشفهية، ومن خيوط العرق التي لا تمل الانسياب فوق جبينه، وهو دائم الحركة وكثير التنقل ودقيق المتابعة، وحريص في عمله وعلى عمله وعلى مكان عمله.

صحيح أن فتحي لا يصف سنواته وأيامه الممتدة عند البوابة بكلمة سوى «العسل»، إلا أن ظروف عمله، على الأقل من زاوية رؤية الآخرين، لا تبدو كذلك، فهي تحتم عليه الحضور في قلب كل الأماكن والمواقف والقصص التي يشهدها المكان مع زواره، من قبيل متابعة السيارات الداخلة إلى الجمعية وهي بالمئات، والحفاظ على سلامة الجميع، ولاسيما الصغار، وسط طرقات الجمعية ومواقفها المكتظة أيام المناسبات. هذه المهمة بالتحديد تفرض على صاحبها ألا يظفر بوقت لارتشاف كأس من الشاي، فهو مؤتمن على سلامة الجميع.

صباح كل يوم، أنتم على موعد مع تفاصيل حصرية لشخصيات تختلف في المسميات وتتحد في الإنجازات، نحاور لمساحة ثابتة؛ ضيفاً رمضانياً في موقعه، نتعرف منه على يوم رمضاني، وندقق في التفاصيل التي يؤديها على رأس عمله، ونعرج على صعوبات لابد وأن تنغص بعض وقته، حتى نصل إلى مواقف وطرائف مُندسّة بين سطور العمل، تمنح صاحبها طاقة إيجابية نحو مزيد من المثابرة والجد والاجتهاد، من منطلق أن «العمل عبادة». كل يوم ستجدون في هذه المساحة «شخصية ومهنة»، ندخل إلى ميدان عملها من باب رمضاني يُعنى بكل ما يحيط بواقعها المهني؛ نهاراً وقت الصوم أو ليلاً بعد الإفطار، المهم أننا نحاور مسميات مهنية لا تتشابه، لنجسد لكم قالباً صحافياً جديراً بالاهتمام، ففي كل يوم تجدون «شخصية ومهنة»، وهذه إحدى المهن التي طرقناها؛ فدخلت بابنا الرمضاني.

الأبناء وبركات الإمارات

«تعبي يتلاشي حين آوي إلى الفراش منتشياً بسلامة الآخرين وتسليمهم عليَّ، وحين أنظر إلى أبنائي وهم يكملون مسيرتهم الدراسية بتفوق وتميز ونجاح، لطالما أردته لهم». هذا هو مفتاح سر فتحي الصحفي بكل بساطة، لديه ستة أبناء؛ محمد 25 عاماً وهو طبيب تخرج في الجامعة، والسيد 23 عاماً مهندس تقنية معلومات، وأحمد 21 عاماً طالب في كلية التربية، إضافة إلى عبدالغفار 16 عاماً، وعائشة 14 عاماً، وعزة 11 عاماً، وهم في المدرسة يواصلون الطموح نحو شهادات الدراسة الجامعية المرموقة، من بركة وظيفته وبركات عمله على أرض الإمارات، فهو منبع الإصرار على التميز في واقعه المهني وفي تربية أبنائه وتعليمهم أيضاً، رغم محدودية دخله الشهري، لأنه كما يجزم ويصرُّ؛ يريد لأبنائه أفضل مما ارتضى لنفسه على الجانب المهني، هذا هو دافعه ومحفز طموحه نحو مستقبل أفضل.

مواقف داخل »المواقف« لا تخلو من الطرافة والإحراج

 

في رمضان تختلف أجواء عمل فتحي الصحفي تبعاً للتوقيت ولنوعية وكثافة المناسبات، وعلى الرغم من ملامح عمله الشاق، إلا أن المشهد الرمضاني يبدو أكثر راحة واسترخاءً استعداداً لأيام مقبلة بعد العيد مباشرة، حيث تكثر حفلات الأفراح والمناسبات.

هذه الأيام رسَّخت في ذاكرة الصحفي بعض المواقف التي لا تُنسى، منها قدوم كثير من الشباب والفتيات للسلام عليه وتحيته، حينما يصادفونه في الأماكن العامة مع عائلته أيام الإجازة، لاسيما الأزواج الذين يتعاملون مع فتحي مباشرة في تسلُّم مفاتيح الغرف الخاصة بهم وتسليمها له، قبيل وبعد حفلة الزواج.

حرمة عجوز

يبتسم قليلاً ثم ينتقل فتحي إلى قصة «حرمة عجوز» كما يقول، أصرت على إيقاف سيارة تقلها في موقف محجوز داخل جمعية أم المؤمنين النسائية، حاول فتحي إقناعها بتغيير المكان، فردت غاضبةً: «خوِّز الباركنج لا أعطيك بالعصا»، فامتثل لطلبها قائلاً: تفضلي. فنزلت من السيارة تعتذر منه وتستسمحه، فأجابها: أنت أمي فلا تعتذري!

ويذكر فتحي أن حضوره الدائم بين مواقف جمعية أم المؤمنين في عجمان، جعله دليلاً وموجهاً للكثير من النساء، لمساعدتهن على الدخول إلى «الباركنج» أو الخروج منه وقت الزحام، وفي مثل هذه الأوقات المزدحمة وفي الليل أيضاً، فإن المرأة غالباً ما تحتاج إلى مساعدة للخروج بسيارتها بشكل آمن.

احترام وإحراج

ودائماً ما يوجه فتحي الداخلين إلى الجمعية بسياراتهم، لاسيما الشباب الصغار، بضرورة الالتزام بضوابط السير والسرعات المحددة، والانتباه جيداً أثناء القيادة، نظراً لاكتظاظ المكان بالسيارات والأشخاص، ورغم مرور السنوات وتعاقب مئات بل آلاف المناسبات، إلا أنه لم يحدث يوماً أن واجه فتحي تعنتاً أو إزعاجاً من أحد، لأنه كما يقول يقدم النصيحة على كف من الأدب وفي قالب مبتسم مرحب، وهو ما يترك أثراً طيباً وممتداً في نفسه ونفوس كل المتعاملين والزوار للجمعية.

مواقف جميلة

يضيف فتحي: كثيراً ما أجد نفسي محرجاً أثناء لقاء أناس في الجمعية وخارجها، يأتون للسلام علي والسؤال عن أحوالي ويعرفون اسمي، لكني لا أعرف أسماءهم، تلك المواقف جميلة وتترك في القلب أثراً أجمل.

يحدث غالباً كما يقول الصحفي، ألا يجد فتحي فرصة للقاء أبنائه سوى فترة الغداء في بعض الأيام، ويوم الإجازة، لأن طبيعة عمله تفرض عليه مغادرة البيت صباحاً قبل أن يستفيقوا من النوم، والعودة إليه ليلاً وهم نائمون، لذلك يظل يوم الإجازة زاخراً ومؤثراً في حياة فتحي الذي يمنح أسرته أسمى ما يملك أملاً في تحقيق السعادة لهم.

بطولة مطلقة

تجسد جمعية أم المؤمنين في عجمان مشهد البطولة المطلقة في حياة فتحي الصحفي، عبر وظيفته المقنعة أمام البوابة، ووجوده الدائم لساعات طويلة في باحات الجمعية، ما جعل المكان يبقى جزءاً أساسياً ومؤثراً في حياته الشخصية، رغم الجهد والوقت اللذين يمنحهما للأبناء المقيمين معه في عجمان، أو الذين يدرسون في مصر.

وفي رمضان لا يحلو اليوم دون حضور مائدة الإفطار مع أفراد أسرته، مشيراً في هذا السياق، إلى خيرات رمضان التي تعم البيت، والتي تُبقي مائدة رمضان عامرة طوال أيام الشهر الفضيل، بفعل عطاء أهل الخير في بلد الخير الإمارات.