صباح كل يوم، أنتم على موعد مع تفاصيل حصرية لشخصيات تختلف في المسميات وتتحد في الإنجازات، نحاور لمساحة ثابتة؛ ضيفاً رمضانياً في موقعه، نتعرف منه على يوم رمضاني، وندقق في التفاصيل التي يؤديها على رأس عمله، ونعرج على صعوبات لابد وأن تنغص بعض وقته، حتى نصل إلى مواقف وطرائف مُندسّة بين سطور العمل، تمنح صاحبها طاقة إيجابية نحو مزيد من المثابرة والجد والاجتهاد.
من منطلق أن »العمل عبادة«. كل يوم ستجدون في هذه المساحة »شخصية ومهنة«، ندخل إلى ميدان عملها من باب رمضاني يُعنى بكل ما يحيط بواقعها المهني؛ نهاراً وقت الصوم أو ليلاً بعد الإفطار، المهم أننا نحاور مسميات مهنية لا تتشابه، لنجسد لكم قالباً صحافياً جديراً بالاهتمام، ففي كل يوم تجدون »شخصية ومهنة«، وهذه إحدى المهن التي طرقناها؛ فدخلت بابنا الرمضاني.
وجه اقتصادي واجتماعي متنوع الاهتمامات والهوايات، عمل في العديد من المواقع فاكتسب خبرات كثيرة. وطاف المزيد من دول العالم وعاصر أحداثاً مهمة، لم يرث عن والده سفينة تجارية أو رصيداً في بنك أو عقارات، بل ورث الكرم والجود والطيبة والمجالس المفتوحة للقريب والبعيد، تعلق بحب المورث الثقافي والتاريخ والإرث الحضاري، ما عزز لديه إحساساً وطنياً، حوّل بيته إلى متحف للتراث الوطني يروي قصة ماضٍ مجيد وحاضر ومستقبل وليد.
وخلال مسيرة ثلاثة عقود أسس لنجاحات وإنجازات كثيرة، بدأ حياته المهنية في القوات المسلحة لمدة 20 عاماً أكسبته خبرات ومهارات طورها بالجد والاجتهاد ليصبح واحداً من أصحاب الخبرات والمهارات الاقتصادية، ويتولى مهام إقليمية ودولية ومحلية.
أحمد بن سودين، رئيس المنظمة العربية الإفريقية للاستثمار والتطوير العقاري التجاري، ورئيس مجموعة شركات آل سودين، التقيناه في مجلسه لنتعرف إليه أكثر، ونسلط الضوء على مسيرته في العمل الخيري والوطني والاقتصادي، إضافة إلى طفولته ومراحل دراسته وحياته العملية.
الماضي الجميل
يقول »بو فهد« وقد تحلق حوله أنجاله وعدد من رواد مجلسه العامر في منطقة الطوية في العين، والذي حوّله إلى ما يشبه المتحف، إنه يتذكر من طفولته الجميلة الكثير من المشاهد الراسخة، فلايزال يذكر منطقة السوق القديم في العين، حيث أمضى وإخوانه وأصدقاءه أمتع اللحظات رغم صعوبة الحياة. وقد بدأت علاقته بالقراءة من خلال الكتاتيب، إلى أن افتتحت المدرسة النهيانية، وهي أقدم مدارس العين.
وفي ذلك الزمان كان المجتمع يفتقر إلى الوسائل التعليمية الجيدة والمياه والكهرباء ووسائل النقل، وإلى اليوم لم ينسَ بن سودين زملاء الدراسة الذين أمضى معهم أجمل الأيام ولايزال على اتصال دائم معهم، وقد كان الجميع يخشى المعلمين بشدة، إضافة إلى ذلك فقد ارتبط منذ صغره بالطبيعة الخلابة في واحة العين وأفلاجها.
الاعتماد على الذات
ويضيف: تعلمت منذ نعومة أظفاري الاعتماد على الذات في تدبير أمور الحياة اليومية دون مساعدة أحد، وهذا أكسبني الثقة بالنفس. لا أحد ينكر فضل ودور الأم في بناء الشخصية فهي ينبوع العطاء، ووالدي رحمه الله عمل كغيره في مدينة العين آنذاك في الزراعة وتربية المواشي والإبل.
وكان يكلفني بمسؤوليات كثيرة، إيماناً منه بقيمة العمل في الحياة ما أكسبني القدرة على التعامل مع الآخرين، وفهم أطباعهم وحب العمل وتقديسه، مع ضرورة التحلي بالصبر للوصول إلى الغايات، وترسخت هذه المبادئ في ذهني وغدت ثوابت أساسية أسير على خطاها في كل أمور حياتي، وتعلمت من والدي ووالدتي أن الرقابة تبدأ على النفس من النفس، وأن الخطأ الصغير يقود إلى الخطأ الكبير، وقد ربيت أولادي على هذا النهج.
العام 1970 انتسب أحمد بن سودين إلى القوات المسلحة وعمل ضابطاً وتقلد مناصب عدة، منها قائد الشرطة العسكرية ومساعد قائد قوة درع الجزيرة في المملكة العربية السعودية، إلى جانب رئيس شعبة الرياضة العسكرية في القوات المسلحة، كما تسلم رئاسة اجتماعات الأمانة العسكرية للجامعة العربية لأكثر من دورة، وخلال هذه المسيرة يضيف:
كنت فخوراً بانتسابي إلى المدرسة العسكرية التي أعتبرها جامعة الحياة والالتزام والانضباط والتضحية، وعندما أتحدث عن الجيش يتملكني شعور بالتقدير والعرفان للقائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لما بذله من فكر وجهد لتأسيس الاتحاد وقواتنا المسلحة والعمل على تطويرها.
رمضان في حياته
رمضان في حياة أحمد بن سودين يبقى حالة استثنائية، لاسيما وأنه كثير السفر، إذ يقول: لرمضان نكهة خاصة، ولنا معه حكايات وذكريات بدأت منذ سن مبكرة، إذ كنا نقلد أهلنا في الصوم وهم يحاولون تشجيعنا على ذلك قبل سن السابعة، وبعد هذه السن تراهم يتشددون أكثر، بل ويراقبون صيامنا، ففي السابق كان الصيام صعباً في ظل ارتفاع الحرارة، أما الآن فقد أصبحت عوامل الرفاهية متطورة.
ولم نعد نشعر بصعوبة رمضان. ويضيف: كنا نستعد لرمضان على مستوى الأسرة في وقت مبكر بالتجهيز المعنوي والمادي، وما إن يبدأ رمضان حتى تتحول حياتنا إلى نسق آخر مختلف، يكلله الهدوء والسكنية والمودة والرحمة وزيادة أعمال البر والخير.
ويوضح أن يومه الرمضاني يبدأ بعد السحور، فبعد أن يتناول طعام السحور، يحرص على تأدية صلاة الفجر جماعة مع أبنائه وأهله في المسجد القريب من المنزل، بعد ذلك يتلو ما تيسير من القرآن حتى طلوع الشمس، فيذهب للعمل، ويحرص أيضاً على ختم القرآن، ويبقى عصراً في المسجد، وفي الأيام الأولى من رمضان يحرص بن سودين على زيارة الأهل وأولي الأمر، كل حسب ظروفه خاصة الأخوات والعمات والخالات وكبار السن.
كما يحرص على تناول الإفطار مع أفراد العائلة جميعاً، ويشارك بنفسه في الأشراف على إعداد الوجبات، ويحرص على توزيع بعض الطعام على الأصدقاء والمحتاجين. وبعد صلاة التراويح يواظب »بو فهد« على حضور المجالس الرمضانية التي تناقش أمور الدين والدنيا، وأحياناً يستدعي بعض أئمة المساجد أو علماء الدين لتلك المجالس، وفي العشر الأواخر من رمضان يزيد من فترات تلاوة القرآن وأحياناً يؤدي العمرة حسب الظروف.
وجه من المعاناة
يؤكد أحمد بن سودين أن لرمضان في الغربة وجهاً من المعاناة، إذ يشعر الإنسان فيه بالشوق والحنين إلى الأهل والوطن، لا سيما في حال كان موجوداً في دولة غير إسلامية، إذ تختلف العادات والتقاليد وأحياناً المواعيد، ففي بعض الدول يرفع أذان المغرب الساعة الثانية عشرة ليلاً.
ويضيف: كنا نفتقد المساجد في بعض المدن، لكنا رغم الصعوبات نحرص على تجميع أكبر عدد من أبناء الدولة والدول العربية والإسلامية لتناول طعام الإفطار معاً والصلاة جماعة. ولم يحدث أن أفطرنا رمضان في الغربة لسبب صعب مهما بلغ، بل كنا نحرص على التمسك به وبالعبادات أكثر.
الاقتصاد والأعمال
بعد التقاعد من الجيش توجه »بوفهد« إلى العمل التجاري، وتحديداً في مجال التطوير العقاري محلياً، ثم انطلق للعمل على المستوى العربي، وخلال مسيرته في الاقتصاد والأعمال، شارك في مهام عدة منها:
عضو فخري بالاتحاد العربي للتحكيم الهندسي، والنائب الأول لرئيس الاتحاد العربي للتنمية العقارية، ورئيس مكتب الإمارات العربية المتحدة بالاتحاد العربي للتنمية العقارية، وعضو مجلس »الكونسيريتوم« العالمي للاتحادات العقارية، ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية العقارية للشؤون الدولية، ورئيس لجنة الحكماء بالاتحاد العربي للتنمية العقارية، ورئيس مجلس الأعمال البولندي الإماراتي، إلى جانب الرئيس التنفيذي للمشرق العربي العقارية، ورئيس مجلس إدارة مجموعة آل سودين القابضة، وتحت مظلتها 9 شركات.
قَلَب بيته متحفا وجعله مجلساً للجميع
بالانتقال إلى المتحف الشخصي الذي يجسده أحمد بن سودين في بيته بمنطقة الطوية في العين، وهواية جمع واقتناء التحف والأدوات التراثية والأسلحة النادرة، يلاحظ الزائر لمجلس »بو فهد« أن صاحبه دأب على استخدام هذا المتحف مجلساً لاستقبال الضيوف، وهو مكوّن من نموذج خيمة من جريد وسعف النخيل، لينتقل بنا إلى أهل الماضي والبيوت التي شيدت في الإمارات قديماً.
إرادة زايد
عن التراث وجمع المقتنيات والقطع القديمة والتراثية، يقول »إن المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله، وجه في أحد لقاءاته بجمع التراث وحفظه للمستقبل والأجيال، كل حسب استطاعته، وهو ما شجعني على البدء في جمع القطع الأثرية، وقد استطعت أن أجمع مئات القطع بجهود شخصية، وأنجزت بناء المجلس الخاص بذلك، ليضم القطع التي جمعتها على مدى سنوات.
وكنت أحاول جمع كل ما كان لدى الأجداد والآباء سواء في الإمارات أو في منطقة الخليج، وفي دول العالم كافة، وما يستخدم في حياتهم اليومية مثل الفخار والأدوات المنزلية والصحف والطوابع القديمة والأسلحة، والهدف الأسمى لدي تعريف أبنائي والأجيال القادمة بالتراث والتاريخ المحلي«.
ويوضح أنه مهتم بمعرفة تاريخ الصنع ومكانه لكل أداة، فمن خلال ذلك يمكن معرفة عادات الشعوب، مؤكداً أن علاقته بالمقتنيات القديمة علاقة حميمة ووطيدة جداً، فهو يبحث عنها وهي تهواه، وعندما يزور أي بلد يحرص على زيارة الأسواق الشعبية والقديمة فيه، لشراء أقدم الأشياء والاحتفاظ بها، خاصة الساعات القديمة والتحف و»الأنتيك« والعملات، ولديه أيضاً هواية جمع دلال القهوة، إذ يقتني عشرات الدلال، واحدة منها يرجع تاريخها إلى أكثر من 80 عاماً.
أول القطع
أول قطعة اشتراها من الخارج هي دلة قهوة قديمة ونادرة، وهذه القطعة تتسم بالدقة في الصنع والقدم في الوقت نفسه، وإلى اليوم يواظب بن سودين على جمع مثل هذه المقتنيات وشراء أي شيء يعجبه ولو كان بسعر خيالي، ما جعله مؤهلاً لتحويل مجلسه إلى متحف، حيث العديد من الأواني النحاسية العثمانية والأصفهانية والباكستانية.
والمنحوتات الخشبية والفضيات والقلائد النسائية القديمة، والأحجار الكريمة والساعات القديمة، والعملات الورقية والمعدنية والمسابح والخناجر، وأجهزة الراديو والفوانيس، وقد عاد بهذه المقتنيات من زياراته الدولية المتكررة، وعن طريق معارفه الذين يرشدونه للبحث عن أي شيء يرتبط بالماضي، أو أي شيء نادر ليشتريه بأي سعر، وهذه المقتنيات حصيلة جهد متواصل منذ أكثر من 25 عاماً.
البيت والزي
يرى أحمد بن سودين »أن الطابع الشرقي لا يزال يميز البيت الإماراتي، برغم اكتساح الديكور والتصميم الغربي للحياة الحديثة، ففي أفخم البيوت هناك أثاث فرنسي وغربي، وأوانٍ وتحف مستوردة وغير ذلك، لأن ذلك لا يشبهنا، وأنا أحمد الله أن الإنسان في الخليج ما زال محتفظاً ببعض خصوصيته، وتحديداً في مجال الأزياء التقليدية، فأنت ترى هذا الإنسان بلباسه التقليدي (الكندورة والغترة والعقال)«.
أما لجهة البيت، فدائماً يبحث »بو فهد« عن نكهة المسكن والمجلس القديم، ومجلسه التراثي ذو طابع تراثي، يضم في كل الزوايا مئات القطع التراثية والأثرية، وجميع مستلزمات الحياة القديمة، وفي هذا المجلس تقام باستمرار ندوات ولقاءات اجتماعية وثقافية واقتصادية ومجالس رمضانية، لتبادل الخبرات والمعارف، واسترجاع الذكريات والماضي، والتخطيط للمستقبل الذي نطمح إليه.


