صباح كل يوم، أنتم على موعد مع تفاصيل حصرية لشخصيات تختلف في المسميات وتتحد في الإنجازات، نحاور لمساحة ثابتة؛ ضيفاً رمضانياً في موقعه، نتعرف منه على يوم رمضاني، وندقق في التفاصيل التي يؤديها على رأس عمله، ونعرج على صعوبات لابد وأن تنغص بعض وقته، حتى نصل إلى مواقف وطرائف مُندسّة بين سطور العمل، تمنح صاحبها طاقة إيجابية نحو مزيد من المثابرة والجد والاجتهاد، من منطلق أن «العمل عبادة». كل يوم ستجدون في هذه المساحة «شخصية ومهنة»، ندخل إلى ميدان عملها من باب رمضاني يُعنى بكل ما يحيط بواقعها المهني؛ نهاراً وقت الصوم أو ليلاً بعد الإفطار، المهم أننا نحاور مسميات مهنية لا تتشابه، لنجسد لكم قالباً صحافياً جديراً بالاهتمام، ففي كل يوم تجدون «شخصية ومهنة»، وهذه إحدى المهن التي طرقناها؛ فدخلت بابنا الرمضاني.
دخل الدكتور عبد القادر الزرعوني كلية الطب بمحض إرادته، ورغبة منه في دراسته، ولم يكن للأسرة دور في الاختيار، كما تفعل بعض الأسر، إذ تضغط على أبنائها من أجل دراسة تخصص بعينه، ويرى أن دورها توضيح الرغبات للأبناء وإعطاؤهم الثقة ليختاروا ما يحبونه، وذلك بعد عمل موازنة لهم بين التخصص ومتطلبات سوق العمل، ويعد ذلك الاختيار تحدياً له، باعتباره أول فرد في الأسرة يدخل الكلية، لأن معظم أفراد الأسرة متخصصون في مجال الهندسة بمختلف أنواعها، إضافة إلى المحاسبة والقانون.
وعن عمل الطبيب في شهر رمضان، يرى الزرعوني أنه أقل رهقاً من باقي الأشهر الأخرى، عازياً ذلك إلى أن الأجر فيه مضاعف، وأنه يحس بالفرح عندما يقدم العلاج ويخدم المرضى ويؤدي واجبه وهو صائم، ولا يغير من عاداته وروتينه، بل يعد جدولاً ويرتبه بالصورة الصحيحة، حتى لا يواجه أي مصاعب في أداء عمله خلال صباح وليل رمضان، وأن أبرز المصاعب التي يواجهها الأطباء في رمضان هي اختلاف أوقات عمل أقسام الفرق الطبية، لأن لكل فريق طبي أوقات عمل تختلف عن الآخر، بحيث لا يكون العمل بالسهولة التي تعودوا عليها في رمضان، وعن جو العمل خلال الشهر الفضيل، لا يرى فيه اختلافاً عدا اختلاف أوقات فرق العمل، لأنه يجب على الطبيب أن يكون مستعداً لأداء أي واجب وطني أو إنساني إذا ما دعا الداعي، وألا يكون رمضان حجة للتقليل من العطاء والبذل.
أسرته دائماً مستعدة ومتفهمة لطبيعة عمله الذي يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل وتدعمه بشكل كبير، كما ترتب له جدول أعماله، ولا تتذمر في حال بقائه فترة طويلة خارج الدار أو ذهابه عنهم وتغيبه، خاصة في المناسبات الأسرية، أو لإجراء العمليات الجراحية التي تحتاج إلى استشارة طبية من اختصاصي المسالك البولية.
أول عملية جراحية
يتعامل الدكتور الزرعوني مع عمليات جراحة المسالك البولية بطريقة سرية مع المرضى، نظراً إلى حساسية العملية، لأنها في معظمها تكون عمليات متعلقة بأكثر من طرف، لذلك يجب ألا تناقش خارج نطاق الشخص، تحاشياً لإفشاء أسرار المريض، وعن أول عملية جراحية أجراها كانت في عام 1994 في مستشفى العين خلال فترة التدريب وهي عملية الغدة الزائدة، وكانت ناجحة، ومن دون مضاعفات، ولكن حدث فيها ما لم يكن متوقعاً، إذ جرت عادة الأطباء بعد نجاح أول عملية إحضار الحلويات ابتهاجاً وفرحاً، فأحضر كنافة تحوي مادة سائلة انسكبت على معطفه الأبيض، ما دفعه إلى الذهاب إلى بيته لتغييره، وهو الأمر الذي نغّص عليه ولم يبارح ذهنه.
أجرى الزرعوني العديد من عمليات المناظير وحصوات الكلى والمثانة والحالب وتضخم البروستاتا وجراحات الدوالي والخصية وتصحيح العيوب الخلقية في الجهاز التناسلي، إضافة إلى التعامل مع أورام المثانة والحالب، وتعد عمليات حصوات الجهاز البولي من أكثر العمليات التي تجرى في شهر رمضان المبارك، لأن المريض يتناول القليل من المياه، خاصة إذا صادف رمضان شهور الصيف، فتحول بعض العمليات الجراحية إلى الطبيب الأكثر خبرة ودراية من أجل مصلحة الطبيب والمريض، ويرى أن الطبيب الذي يدعي أنه على دراية بكل شيء يعد جاهلاً، لأنه ليس هناك كبير في مهنة الطب، والجميع يتعلم من الكل.
ذكريات رمضانية
وفي ألمانيا، وخلال فترات الدراسة، حيث تطول فترة الصيام، فيكون النهار طويلاً والإفطار في العاشرة مساء، والسحور في الثانية فجراً، يستعين الزرعوني بالأسر المواطنة، وكذلك بالطلبة الإماراتيين الدارسين هناك، بتناول الإفطار الرمضاني، ما يخفف عنه الكثير.
الزرعوني لا يغير عاداته في شهر رمضان، ولا يتسمر أمام القنوات الفضائية متابعاً المسلسلات، ويحب أن يتناول في الإفطار الرمضاني الهريس والثريد، ويعدهما من أفضل الأطباق الرمضانية، ودائماً يحب أن يتناول الإفطار في المنزل، ولكن للأبناء مطالب أخرى بالتوجه إلى المطاعم، لتناول وجبة الإفطار بحجة التنويع في الأكلات، فيلبي رغباتهم، ومن ثم يذهب إلى المطاعم وينتقي الوجبات، ويعد شهر رمضان شهر العبادة والخشوع إلى الله تعالى، وليس شهراً للطعام، ولا يحب الذهاب إلى الأسواق خلال فترات الصوم، لأن في اعتقاده أن الصائم إذا ما ذهب إلى التسوق يشتري ما يشتهي، وينصح المتسوقين بعدم الإسراف والتسوق في نهار رمضان، وألا يجعلوا الغذاء يوجههم، بل هم الذين يجب عليهم أن يوجهوا الغذاء، وليس كل ما يشتهون يشترونه.
صداع اليوم الأول
ينصح الدكتور عبدالقادر الزرعوني الصائمين بالإكثار من السوائل خلال ساعات الإفطار، خاصة الذين يعانون حصوات الجهاز البولي، حتى يتجنبوا صداع أول يوم في رمضان، إذ يرجع سبب الصداع إلى نقص السكريات، وأن المعدة والجسم غير متعودين على الصيام، ويحتاجان إلى وقت طويل حتى يتعودا، وينصح بالصوم قبل حلول شهر رمضان، حتى يكون الشخص مستعداً لرمضان، ويرى أن السحور في وقته يعد بركة، ويزود الجسم بالسكريات، ما يبعد عنه اضطرابات صيام أول يوم في الشهر الفضيل.
مواقف لا تنسى
حضر الدكتور الزرعوني غرفة العمليات لإزالة حصاة من الحالب لأحد المرضى، بعد ما أثبتت الفحوص الطبية والصور وجود حصاة وضرورة إجراء العملية لإزالتها، فطلب المريض الذهاب إلى دورة المياه خوفاً، وعند عودته أخبر الطبيب بأن الحصاة قد خرجت، وبعد التأكد من ذلك عن طريق الأشعة تم إلغاء العملية وتخريج المريض، كما راجع العيادة التي يعمل فيها الدكتور الزرعوني أحد المرضى المواطنين بعدما تحرج كثيراً من الذهاب إلى المستشفيات الطبية لتلقي العلاج، لأنه يعاني مرضاً حساساً يتطلب العلاج السريع من استشاري يعمل في تخصص المسالك البولية، فاكتشف أن الطبيب المعالج مواطن، وهو من العائلة نفسها، وهو ما زاد الأمر تعقيداً عليه.
اختير ضمن الدفعة الأولى لدراسة الطب في جامعة الإمارات
الدكتور عبدالقادر الزرعوني استشاري المسالك البولية في مستشفى الشيخ خليفة العام بأم القيوين ترتيبه السابع في الأسرة، وهو أخ لـ10 أشقاء منهم 6 أولاد و4 بنات، درس المرحلة الابتدائية في مدرسة حطين بالشارقة، ثم الإعدادية في مدرسة خالد بن الوليد، والثانوية مدرسة العروبة الثانوية، ثم المرحلة الجامعية بجامعة الإمارات، حيث اختير ضمن الدفعة الأولى للطلبة الدارسين بكلية الطب في العام 1986 وتخرج فيها عام 1993 1994، وبعدها انضم إلى السلك العسكري في عام 1995 طبيبا ممارسا عاما.
تم ابتعاثه إلى ألمانيا والتحق بجامعة بون للدراسة وتخصص في جراحة المسالك البولية، حصل على البورد الألماني في جراحة المسالك البولية العام 2003، ثم رجع إلى الإمارات بعد 5 سنوات من الدراسة والتحق بمستشفى الشيخ زايد العسكري اختصاصي لجراحة المسالك البولية، وتدرج في الرتب العسكرية والدرجات العلمية إلى أن أصبح استشارياً لجراحة المسالك البولية ثم رئيساً لقسم الجراحة بمستشفى زايد العسكري، وفي عام 2011 تقاعد برتبة عقيد، ثم التحق بالعمل في القوات المسلحة مدنياً كاستشاري للمسالك البولية عام 2013، ثم انتقل إلى العمل بمستشفى الشيخ خليفة العام في أم القيوين رئيساً لقسم المسالك البولية.
إلى ألمانيا
بداية عمله طبيباً كانت في عام 1994، تحت التدريب بمستشفى العين مستشفى (الجيمي)، وعمل لمدة عام متنقلاً بين معظم الأقسام الجراحية، وهي تعد فترة تدريبية إلزامية لكل طبيب متخرج حديثا من كلية الطب، ثم بعدها انتقل إلى مستشفى الشيخ زايد العسكري في عام 1995 وظل يعمل به حتى العام 1999، ومنها انتقل إلى ألمانيا كأول مبتعث من القوات المسلحة ليتلقى العلم في تخصص جراحة المسالك البولية.
شارك في العديد من الدورات العسكرية الإلزامية بالمملكة الأردنية الهاشمية، إضافة إلى المشاركة في المؤتمرات والدورات العلمية داخل الإمارات وخارجها، حيث شارك في مؤتمرات نظمت في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وعدد من الدول العربية، وانتخب رئيسا لجمعية الإمارات للمسالك البولية في العام 2013، وتم إشهارها على المستويين العربي والعالمي وأصبحت معروفة، ولها العديد من الأنشطة والإسهامات، منها تنظيم الورش الطبية للأطباء والممرضين، كما تمثل الدولة في المؤتمرات من خلال تقديم أوراق العمل في المجال الطبي، وتهدف إلى تمثيل الإمارات في مجال التخصص.
كما تسعى لرفع قدرات الطبيب الجراح، والعمل على عقد المؤتمرات العالمية داخل الدولة، الأمر الذي يجد الدعم المباشر من القيادة الرشيدة، وهي تعد شعبة تعمل تحت مظلة جمعية الإمارات الطبية، ومن خلال رئاسته للجمعية تم عقد الكثير من المؤتمرات الطبية المحلية والعالمية، إضافة إلى تلك المؤتمرات التي نظمت مع الجمعيات العربية في مجال تخصص المسالك البولية.
مهنة إنسانية
يرى الدكتور عبد القادر الزرعوني استشاري المسالك البولية في مستشفى الشيخ خليفة في أم القيوين أن مهنة الطب مهنة إنسانية في الدرجة الأولى، وأن الإنسانية يجب ألا يتاجر بها من قبل الأطباء من اجل الكسب المادي والذي سيأتي تلقائيا، وإن هدف الطبيب خدمة المريض ورسم الابتسامة في وجهه، إضافة إلى خدمة محيط المجتمع الذي من حوله، كما يرى أن الطبيب الناجح هو من يعشق مهنة الطب لا من أجل المادة، لأن هناك مجالات أخرى لكسبها.


