مثل كل المسلمين، يستبق اللبنانيون شهر الصوم بالتحضير لاستقباله كضيف كريم بشكل يليق به. فالضيف الذي اعتاد زيارتهم كل عام وإقامته بينهم شهرا له موقعه في حيواتهم، لما يحمل إليهم من بركة وخير للنفس والجسد وفرحة تتجلّى في مظاهر الزينة التي تُنشر احتفاءً بقدومه ومعها.
وتختلف التحضيرات لبدء شهر الصوم بين منطقة وأخرى وتتبدّل بتبدل الزمان. أما معظم عادات رمضان في لبنان، فتعود الى مئات السنين، وترتبط بحقبات تاريخية مرّت عليه , أو حملتها إليه جماعات قدمت من بلدان المغرب العربي وأقامت فيه. ومن التقاليد العامة "مدفع رمضان"، وهو تقليد عرفه الناس منذ العهد الفاطمي، وقد ابتدعه القيّمون على البلاد لتنبيه الناس الى أوقات الإمساك والإفطار.
وكانت الدولة العثمانية إستحدثت في عهد ابراهيم باشا مدفعاً في بيروت، خصّصت له "مدفعجياً" مهمته إعلان ثبوت الشهر والاشارة إلى وقت الإفطار وموعد الإمساك وأوقات الصلوات الخمس، وكذلك إطلاقه في عيدَي الفطر والأضحى. وكان هذا المدفع ذا قذيفة ذات حشوة من قماش الكتّان ومحشوة بالبارود ومتصلة بكبسولة يضعها الجندي في داخله ويطلقها بواسطة حبل رفيع، ويرتكز على دولابين كدواليب العربة.
وقد وُضِع المدفع، أيام الدولة العثمانية، في ثكنة عسكرية واقعة على رابية مطلّة على بيروت، وكانت فوهته متجهة الى الشرق وكان يشرف على إطلاقه شيخ من آل زغلول "عائلة بيروتيّة من أصول مصرية"، كان يأتمر بموظف تعيّنه مديرية الأوقاف، وكان يرتدي بذّة بيضاء ويضع طربوشاً خمرياً ويحمل ساعة "كستك" بسلسلة ذهبية.
وفي السياق، تجدر الإشارة الى أنه، وقبيل الحرب الأهلية اللبنانية "1975- 1990"، كان مدفع الإفطار والإمساك يُطلق، ولكن من منطقة تلّة الخياط، التي تعتبر أعلى مرتفع في بيروت. وبعد انتهاء الحرب، وتحديداً في عام 1995، عادت طلقات مدفع رمضان لتُسمع عند الإفطار والسحور من منطقة السفارة الكويتية في محلّة بئر حسن.
