لا يزال المواطن المقدسي رجائي يحيى صندوقة (50 سنة)، الشخص الوحيد الذي يطلق مدفع الإفطار في رمضان بمدينة القدس المحتلة، بالرغم من كل الصعوبات والتضييقات والشروط التي تضعها سلطات الاحتلال لإطلاقه محاولة إسكات صوته المقدسي والإسلامي، وعن مهنته يقول صندوقه : إن ضرب المدفع تقليد مقدسي عمره مئات السنين وورثته عن والدي وجدي منذ أكثر من 25 عاما، ويجب على المؤسسات المقدسية السعي لتثبيت استمرار اطلاقه كتقليد إسلامي وتوفير المواد اللازمة له.
تهم باطلة
ويروي صندوقه لـ"البيان" التهم والتلفيقات الإسرائيلية التي وجهت إليه من قبل شرطة الاحتلال وجيشه في محاولة لثنيه عن أداء مهمته التي لا يتقاضى منها سوى مكافأة مالية بسيطة لا تكفي لسداد أجرة تنقله لضرب المدفع الذي يحاول من خلاله الإبقاء على التقاليد الإسلامية حية في المدينة التي تواجه اليوم أخطر مرحلة تهويدية إسرائيلية لمقدساتها وأماكنها الأثرية.
في مقبرة باب الساهرة بشارع صلاح الدين نصب المدفع التاريخي الذي يعتبره صندوقه جزءاً من جسده ودمه الذي لا يستطيع الاستغناء عنه، مؤكدا أنه سيبقى لآخر عمره وفياً يعمل على المدفع.
ويندهش بشدة من القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال حيث الاشتراطات السنوية الإسرائيلية ما يوحي أنها تنوي القضاء على كل ما هو تاريخي وفلسطيني وعربي في المدينة.
تاريخ
ويعود استخدام مدفع القدس خلال شهر الصيام إلى الفترة العثمانية، بعد أن تم تثبيته داخل المقبرة في القدس القديمة بجوار المسجد الأقصى، وحينها يتولى أبناء عائلة صندوقه -التي تنتمي لحي وادي الجوز المقدسي مهمة إطلاقه. وفي عام 1945 نصب البريطانيون مدفعا جديدا مكان المدفع التركي الموجود حاليا في المتحف الإسلامي بالقدس.
ورغم انتشار الأجهزة الالكترونية والمنبهات بأشكالها المختلفة وصوت الأذان الذي يصدح من فوق المآذن وأجهزة المذياع والتلفاز المنتشرة في كل بيت ومتجر ومؤسسة، إلاّ أن المسلمين في القدس المحتلة اعتادوا منذ سنوات طوال، أو منذ العهد العثماني، على صوت المدفع للاحتفال بثبوت رؤية هلال شهر رمضان أولاً، ثم للإعلان عن بدء صيام اليوم والانتهاء منه، حيث ينتظر الجميع سماع صوت المدفع للدخول في الصيام بـ"الإمساك" أو الخروج منه بـ"الإفطار"، فضلاً عن ضربه في العديد من المناسبات الدينية الإسلامية، وخاصة للإعلان والاحتفال ببدء عيدي الفطر والأضحى، حتى أضحى هذا التقليد إرثاً إسلامياً متوارثاً رغم تعاقب العديد من الأنظمة على المدينة المقدسة.
وعلى كل حال، يبقى مدفع رمضان رمزاً مقدسياً وإرثاً تاريخياً حضارياً، وعادةً رمضانية من أيام القدس في الأزمنة الجميلة، تُضاف إلى العادات الرمضانية الأخرى الخاصة بأهل القدس والمتوارثة عن الآباء والأجداد، والتي تؤكد هوية المدينة وسكانها رغم كل أساليب الأسرلة والتهويد.
