شهر رمضان الكريم انقضى ومضى بنفحاته وبركاته بعبادته ورحماته بدروسه الدينية والحياتية التي استقاها الجميع من خلال الممارسة خاصة في جانب المفاهيم التي تترسخ في الأذهان اذ اعتقد البعض أن شهر رمضان للتباهي والتفاخر أو للأكل والإسراف. الدكتور أسامة العبد رئيس جامعة الأزهر في القاهرة يتطرق إلى تلك الدروس لاستخلاص العبر خاصة في مسألة الإسراف متناولا قول الله تعالى في كتابه الكريم «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف: 31)..
وحينما يتدبر المسلم تلك الآية الكريمة يجب أن يقوّم من سلوكه كثيرًا، فهي تدعو المسلمين إلى الاقتصاد في النفقة والتوسط بين الإسراف والإقتار؛ لأن كثرة الإنفاق تضر بالجانب الاقتصادي للمسلم والإكثار من الأطعمة والمشروبات يضر بصحته مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ فالله ينادينا أن نتوسط، كما وصف سبحانه المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}، كما قال تعالى «وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (الإسراء: 29).
إن الله ينادينا بالاعتدال في النفقة والمأكل والمشرب، فإن مال المسلم إلى الإقتار فهذا شر وإن جنح إلى الإسراف فهذا شر؛ لذلك يدعونا الرسول الكريم إلى تقليل الأكل والشراب حفاظًا على صحة المسلم وحياته فيقول «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبَهُ أي يكفيه لقيمات وهي تصغير لقمة.
لكن هل يطبق المسلمون ما تأمر به هذه الآية وخاصة في شهر رمضان الذي يقبل فيه الناس على الإفراط في الطعام والإكثار منه ويطلقون العنان لشهواتهم وتمتلئ الموائد باللحوم والأسماك والفواكه، وهذا ما يخالف أمر الله بالتوسط ونصيحة الرسول الكريم بتقليل الطعام فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وذلك حينما تجشأ أحد الصحابة أمامه فقال له «كف عنا جشأك، كما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين عائشة فوجدها تأكل ثم راح وعاد ووجدها تأكل فقال لها «وجبتان في يوم كأنما خلقت لبطنك.
والملاحظ أن الآية الكريمة ونصائح الرسول الكريم ووصاياه لا تخالفها نصائح الأطباء في العصر الحديث الذي ابتلي فيه الناس بأمراض الطعام من تصلب للشريان والتهاب القولون والسكر أمراض الجهاز الهضمي، نتيجة الإسراف في الطعام والشراب.
إن هذا الإسراف فيه مفاسد كثيرة فقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: «والله إني لو شئت لكنت من ألينكم لباسًا، وأطيبكم طعامًا، وأرَقِّكُم عيشًا، ولكني سمعت الله عز وجل عَيَّرَ قومًا بأمر فعلوه فقال: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (الأحقاف).
انطلاقا من ذلك يجب على الإنسان المسلم أن ينشغل عن الطعام بكثير من الطاعات، كقراءة القرآن الكريم، والتي ينبغي أن تكون هي الشغل الشاغل للمسلم في هذا الشهر الكريم، فتجد المرأة تقضي جزءًا كبيرًا من النهار في إعداد الطعام، وجزءًا كبيرًا من الليل في إعداد الحلويات والمشروبات، كما أن الإنسان إذا أكل كثيرًا أصابه الكسل، ونام كثيرًا، فيضيع على نفسه أوقات العبادة.. القاهرة ــ دار الإعلام العربية
