إن الكذب في المعاملات والطاعات قد فشا بين الناس وتمكن فيهم حتى تعودوه وألفوه وسكتوا عنه فلم يحاربوه وكيف نحارب الرياء كباراً وقد تعلمناه صغاراً في البيت والمدرسة حتى تغلغل النفاق في كل عمل وامتزج الرياء بكل فعل، فالصداقة اليوم رياء وكذب، والزواج تجارة ودهان والجوار والزمالة والمصاهرة والنسب نفاق وخداع والعبادة والطاعة ليست خالصة للمعبود بل لها من التظاهر نصيب كبير وشابها من المراءاة حظ وافر .
ولذلك ضاعت الأمانة بيننا وماتت الثقة فينا وأصبح الأخ يشك في أخيه والصديق لا يأتمن صديقه والجار لا يأمن غدر جاره والزميل يظن بزميله الظنون والمرؤوس لا يرضى عن رئيسه والرئيس لا يثق بمرؤوسه، والشعب ساخط على رؤسائه وحكامه وقادته لأن الرياء إن كان من خلق العامة أحياناً فهو عند الحكام خلق ملازم ووصف لاصق بهم دائم، والكذب في القول عند الرؤساء وتعمد التضليل عند الزعماء هو أقوى سلاح لهم وأمتن درع عندهم، ولو عرفت القلوب الإسلام لأسلمت قيادتها لخالقها ولو تذوقنا الإيمان لعرفناه لذة الصراحة وقوة الحق ونور الإخلاص وفائدة الصدق.
قال صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال الرياء.
يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم إذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فاطلبوا عندهم الجزاء.
فمتى يعلم المسلمون أن الكذب والرياء في الأعمال والطاعات شرك مذموم وسيئات محرمة وويلات محيقة بهم متى يعرف المسلم أن التصنع أفسد عليه دنياه ودينه وآخرته؟ كيف تستقيم الدنيا لأهلها المرائين والمرائي يداهن في قوله ويخدع بعمله ويغش الناس ويضلهم.
المرائي ساقط المروءة لا يتعفف عن الخيانة والسطو على عرض صاحبه، والمرائي سفيه سيء الخلق لا يستحي من هتك الأسرار واختلاق الأخبار على الأبرياء، كيف يسعد الناس بالدنيا والرياء فيها جعل الرجل يمدحك في وجهك ويذمك وينهش عرضك في غيبتك، وإذا تظاهر لك باللطف والبشاشة حيناً فهو عليك ذئب في صورة إنسان في أغلب الأحيان وإذا حدثك كذبك وإذا وعدك أخلفك وإذا أمنته خانك، وإذا عاهدك كان بك أول الغادرين وتلك صفات المنافقين الذين ضل سعيهم وفسد حالهم وخسروا دينهم ودنياهم ذلك هو الخسران المبين: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
كيف يستقيم الدين في جو تسمم بالرياء؟ وهل أضر على الدين من عابد يرائي بعبادته وصالح يتجر بصلاحه وينافق في طاعته. إن من أشد الخطر على الدين وأهله عالماً مداهناً في مظهره فاسد اليقين في باطنه، فالمخلص باطن يخفيه وظاهر يبديه ولكن ظاهره وباطنه سواء.
فإن إخلاص القلوب وتصفيتها من الرياء هو أصل العلة وسبب الشفاء، فالمرائي مأمون ولا نجاح لمن لعنه الله، قال صلى الله عليه وسلم: من تزين بعمل أهل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السماوات والأرض. وقال صلى الله عليه وسلم لمن سأله قائلاً: ما النجاة غداً يا رسول الله؟ فقال: ألا تخادع الله، فقال: وكيف أخادع الله؟ قال: أن تعمل بما أمرك الله ورسوله وتريد به غير وجه الله.
