يأتي رمضان كل عام ليطهر نفوسنا مما علق فيها من أدران وليحذرنا من التعلق بالشهوات الفانية، والمسلم الحق هو الذي يبصر الطريق الحق فيسلكه وطريق الهوى فيتجنبه، ليس بمفرده بل كل من يرعاهم ويقوم على شؤونهم لأنه مسؤول عن رعيته يوم القيامة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته».

ولا شك أن من أول أبواب الرعاية للأسرة تحري الحلال والحرص عليه، وتجنب الحرام والابتعاد عنه مهما كانت الحاجة إليه. وعلى الأسر أن تستغل مثل هذه المناسبات الطيبة لتراجع نفسها وتستعين بهذا الجو الروحاني للتخلص من العادات السيئة مثل التبذير والإسراف والإفراط الذي يفسد البيوت، ويكون مضراً بالمجتمعات وعكس المقصد الشرعي الحقيقي من الصيام، وهو تهذيب النفس وتخليصها من شحها وطمعها. وقد وصف الله عز وجل المسرفين فقال «وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا» الإسراء/26-27، كما حذر سبحانه من عاقبة التبذير في الدنيا والآخرة فقال «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا».

وعلى المبذرين أن ينظروا حولهم ليروا كثيراً من المآسي التي يعاني منها الكثير من المجتمعات مثل الصومال وغيرها من بلاد المسلمين.وكما أمرنا المولى عز وجل بعدم الإسراف فقد أمر بعدم أكل الحرام، وعلينا أن نقتدي في ذلك بالسلف الصالح في تدبير أمورنا ومعيشتنا لأنهم بالرغم مما كانوا فيه من شدة إلا أنهم أبوا إلا أن يأكلوا من كسب أيديهم مهما اشتدت بهم الفاقة أو المرض أو الجوع، ولنا في قصة أبي غياث المكي وزوجته لبابة العبرة في مقاومة مغريات الحياة والترفع عنها.

فقد كان أبو غياث لا يملك من متاع الدنيا شيئاً إلا ثوباً بالياً وكان يعيش في بيته مع أربع بنات وأختين وزوجة ووالدتها، وفي يوم من الأيام عجز عن أن يعود إلى أسرته بالطعام فنام تحت شجرة وبكى وسأل الله، ولما قرر الرجوع إلى بيته وهو في الطريق وجد كيساً فيه ألف دينار، ورفض أن ينفق منه على أهله درهماً واحداً حتى يتبين حقيقة هذا المال.

وفي اليوم الثاني ذهب إلى السوق فسمع من يقول فقدت كيساً فيه ألف دينار، فمن رده إليّ جزاه الله خيراً وأعتقه من النار، وله الأجر والثواب يوم الحساب، فقام إليه أبو غياث وقال له يا هذا بلدنا حالتها شديدة، وأيام الحج معدودة، ومواسمه محدودة، وأبواب الكسب مسدودة، فلعل هذا المال يقع في يد مؤمن فقير وشيخ كبير، يطمع في عهد عليك، لو رد المال إليك، تمنحه شيئاً يسيراً، ومالًا حلالًا، فقال الرجل فما مقدار حلوانه؟ كم يريد؟

فقال أبو غياث يريد العشر مائة دينار عشر الألف.فلم يرض الرجل وقال: لا أفعل ولكني أفوض أمره إلى الله، وأشكوه إليه يوم نلقاه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، فقال لزوجته لبابة، وجدت صاحب الدنانير ينادي عليه، ولا يريد أن يجعل لواجده شيئاً، فقلت له:

أعطنا منه مائة دينار، فأبى وفوض أمره إلى الله، ماذا أفعل يا لبابة؟ لا بد لي من رده، إني أخاف ربى، أخاف أن يضاعف ذنبي.فقالت له زوجته: يا رجل نحن نقاسي الفقر معك منذ خمسين سنة، ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمي، وأنت تاسعنا، لا شاة لنا ولا مرعى، خذ المال كله، أشبعنا منه فإننا جوعى، واكسنا به فأنت بحالنا أوعى، ولعل الله عز وجل يغنيك بعد ذلك، فتعطيه المال بعد إطعامك لعيالك، أو يقضي الله دينك يوم يكون الملك للمالك.

فقال لها يا لبابة: آكل حراماً بعد ست وثمانين عاماً بلغها عمري، وأحرق أحشائي بالنار بعد أن صبرت على فقرى، وأستوجب غضب الجبار، وأنا قريب من قبري، لا والله لا أفعل.

وفي اليوم الثاني قال الرجل يا أهل مكة، يا معاشر الحجاج، يا وفد الله من الحاضر والبادي، من وجد كيساً فيه ألف دينار، فليرده إلى وله الأجر والثواب عند الله.

فقام إليه أبو غياث ثانية وقال له قلت لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله قليلة الزرع والضرع، فجد على من وجد المال بشيء حتى لا يخالف الشرع، وقد قلت لك ان تدفع لمن وجده مئة دينار فأبيت، فإن وقع مالك في يد رجل يخاف الله عز وجل، فهلا أعطيتهم عشرة دنانير فقط بدلاً من مئة، يكون لهم فيها ستر وصيانة، وكفاف وأمانة.

فقال له صاحب المال: لا أفعل، وأحتسب مالي عند الله، وأشكوه إليه يوم نلقاه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.وفي اليوم الثالث تكرر الموقف نفسه فقام إليه أبو غياث فقال له: قلت لك أول أمس امنح من وجده مائة دينار فأبيت، ثم عشرة فأبيت، فهلا منحت من وجده ديناراً واحداً، يشتري بنصفه إربة يطلبها، وبالنصف الآخر شاة يحلبها، فيسقي الناس ويكتسب، ويطعم أولاده ويحتسب، فقال الرجل لا أفعل ولكن أحيله على الله وأشكوه لربه يوم نلقاه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فجذبه أبو غياث وقال له: تعال يا هذا وخذ دنانيرك ودعني أنام الليل، فلم يهنأ لي بال منذ أن وجدت هذا المال.

فأخذها الرجل وأراد الخروج، فلما بلغ باب الدار، قال: يا شيخ مات أبي رحمه الله وترك لي ثلاثة آلاف دينار، وقال لي: أخرج ثلثها ففرقه على أحق الناس عندك، فربطتها في هذا الكيس حتى أنفقه على من يستحق، والله ما رأيت ههنا رجلاً أولى بها منك، فخذه بارك الله لك فيه، وجزاك خيراً على أمانتك، وصبرك على فقرك، ثم ذهب وترك المال.

قال تعالى: «ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه».