إن رمضان أحد الأشهر القمرية، وهو أفضل الشهور عند الله تعالى، ولذلك خصه الله تعالى بأحد أركان الإسلام، وهو الصيام.

والصيام في ظاهره هو الامتناع عن الطعام والشراب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا هو ركنه الأساسي مع النية قبل الفجر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل»، ولقوله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وإن من نوى الصيام من الليل، وامتنع عن شهوتي الفم والفرج، صح صومه، وإن نام، وكسب أجر الصائم الذي وعد الله تعالى به بحسب كرمه وفضله، لقوله تعالى في الحديث القدسي «الصوم لي وأنا أجزي به».

ولكن يثبت له الحد الأدنى من الأجر، مثل أقل درجات النجاح في الامتحان، لأن الصيام لم يشرع للامتناع عن ذلك فحسب، بل شرع لغايات مهمة، وأهداف جسيمة، ومقاصد كبرى، وهي التقوى التي حددها الله تعالى في أول آيات الصيام، فقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» البقرة 183، وختم بها آخر آيات الصيام فقال تعالى:

«كذلك يبين الله آياته للناس (أي في أحكام الصوم ومقاصده) لعلهم يتقون» البقرة 187.وإن الصيام شرعه الله تعالى لأهداف تتعلق بالعقيدة والإيمان، وأهداف روحية لزيادة الصلة بالله، وتقوية الثقة به، والاعتماد عليه، والالتجاء إليه، وتطهير النفس من ذنوبها وآثامها، وتكفير الخطايا، فالصيام تزكية للنفس، وتطهير لها من الأخطاء، وارتفاع بها إلى مدارج الكمال، وهو صفاء نفسي يدعو للتقوى والخير والقرب من الله تعالى شأن كل العبادات، لقوله تعالى: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون». (البقرة 21)، وللصيام أهداف خلقية، لإنهاض الهمم، والتعود على الصبر، وتحمل الشدائد.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجهل، وإن سابّه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم». وللصيام أهداف اجتماعية لتزداد الصلة مع المجتمع في تمتين الأسس والعلاقات، وتقوية أواصر الجماعة، ودعم الروابط الإنسانية، والتدرب على الآداب، والتألف، والتعاون، وإحساس الغني بمشاعر الفقير وآلامه بمد يد العون له، والعمل على إفطاره لكسب الثواب الكبير، وللصيام أهداف تربوية ونفسية لتنظيم الأوقات، حتى في الطعام والشراب وسائر الأعمال في انتهاء عام مضى، واستقبال عام جديد، لتدارك التقصير.

والإقلاع عن الذنوب، وتهذيب النفس، ودفعها للمعالي، والتسامي في القيم الروحية، دون التعلق بالمادة فحسب، وأخيراً فإن للصيام أهدافاً صحية في الجسم، ولا تخفى على أحد، حتى أقرّ بها مفكرو الغرب، واعترف بها أطباء العالم. فإن حقق الصائم هذه الأهداف حصل على الثواب الكامل، والأجر الوافي، لذلك يجب عليه أن يشغل نفسه بالطاعات الكاملة التي شرعت طوال العام، وتتأكد في رمضان، ومع الصيام، وفي قمتها أداء الصلاة المفروضة، والحفاظ على صلاة الجماعة في المساجد، وتلاوة القرآن ليلاً ونهاراً، لأن رمضان هو شهر القرآن، فيه بدأ نزوله.

وكان جبريل يدارسه مع النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، ومن ذلك القيام بكل عمل صالح ونافع لنفسه ولأمته ومجتمعه، وفي مقدمتها الالتزام بالوظيفة، لأداء الأعمال المنوطة به، وخاصة لكسب الرزق، وإتقان العمل، وخدمة المجتمع، والمساهمة في صلة الأرحام، ومساعدة الفقراء والمساكين، والعطف على اليتامى والأرامل والعاجزين، وتقديم الأطعمة لأصحاب الحاجات، والسعي لتأمين مصالحهم، فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، بالإضافة إلى قيام الليل الذي سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، والإكثار من الصدقات، والذكر، والدعاء.

وهذه الأعمال هي التي التزم بها السلف الصالح، والمؤمنون الصائمون طوال التاريخ، بل مارسوا الجهاد في سبيل الله، وخاضوا المعارك والحروب، وحققوا الانتصارات الباهرة في رمضان، ولم يخلدوا للنوم والكسل، والخمول والجمود، وضياع الأوقات، وتأجيل الأعمال، وتعطيل الحاجات باسم الصيام، ما يعطي أسوأ الأمثلة عن الإسلام، ويقدم الصورة البشعة عن الدين، بل ينفر منه، حتى قال أحد العلماء المعاصرين «إن المسلمين اليوم عار على الإسلام».

ولذلك يجب على الصائم أن يحافظ على السبل السابقة وأن يضاعف أعماله، وعباداته في شهر رمضان الذي تتضاعف فيه الحسنات، فالفرائض في القمة، وبقية الأعمال الصالحة والنوافل لها ثواب الفريضة في شهر رمضان، كما ثبت ذلك في الحديث الشريف، وإذا حرص الصائم على القيام بآداب رمضان وحقوقه طرد النوم من نهاره، وعكف على عمل الخيرات، لأن الله تعالى جعل الليل لباساً، وجعل النهار معاشاً، وهذا ما نظمه الإسلام، وأدركه المتقون، وعملوا عليه في الماضي والحاضر، وندعو الجميع إليه، لتتم العودة إلى رحاب الشريعة والدين، ويحظى الناس بخيري الدنيا والآخرة، ويفوزوا بالسعادة في الدارين، ويظفروا برضا الله تعالى، ويحققوا الهدف الذين خُلقوا من أجله، ثم شرع الصيام له، والحمد لله رب العالمين.