شهر الصيام ملتقى أركان الإسلام عنوان لإصدارة حديثة للشيخ علي عثمان محمد طه الذي يشغل منصب نائب الرئيس في السودان، فهو رجل قانون ضليع، ومتبحر في الفقه وعلوم الدين، ومفكر وسياسي ودبلوماسي يتسم بالحكمة والكياسة، ومفاوض بارع لا يشق له غبار ومتحدث لبق يقنعك بما يقول.

الكتاب يتحدث فيه عن رمضان، شهر المدرسة التربوية القاصدة إلى الله رب العالمين وكيف نتربى فيه على كبح جماح الشهوات، ونعتاد على التقليل من الملذات، والإكثار من الطاعات والنزوع إلى الإنفاق في الصدقات، مطالباً أن نرى فيه غذاء الأرواح قبل غذاء الأبدان، حين نقبل على موائد الرحمن والقرآن، وننهل من معين الصلاة والصلة بين الأرحام، فنتسامى على المحن والإحن، وننحو إلى التصالح والتسامح لنغدو متحابين في الله متآخين في دينه.

ويتناول في إصدارته الصلة الوثيقة بين الصيام والقرآن مستشهدا بعدد من الآيات ويقول في هذه الآية:

(وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة أنا كنا عن هذا غافلين )(سورة الأعراف: 172)

إن الصائم القائم إنما يرجع بالذكر الحكيم في رمضان إلى أصل الفطرة (فطرة الله التي فطر الناس عليها) وهى العبودية لله رب العالمين.. فقد شهد الناس جميعا بهذه العبودية في عالم الأرواح قبل أن تحل عالم الأجساد.

إن الناس نسوا ذلك العهد وتلك الشهادة بعد أن دخلوا في حياة الأجساد.. إلا أن القرآن جاء ليذكرهم بشهادة العبودية في قوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر: 17]. وهذه التذكرة القرآنية تبلغ مبلغها بصيام رمضان حيث تخفف الأرواح من حاجات الأجساد فتصفو وتسمو حتى ترجع إلى أصلها في العبودية..

 والقائمون بأمر الدعوة إلى الله وإقامة دولة الحق والصدق إنما هم في كل عصر أرواح مؤتلفة، قد تعارفت في عالم الأرواح، فتآلفت في عالم الأجساد حيث اتحدت وتناصرت في الدعوة والجهاد، لا يضرهم من خالفهم إلى قيام الساعة (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف) وصيام رمضان بتزكية الأرواح إنما هو حقيق بأن يجمعها على هذه الوجهة الرسالية الخالدة.

 

نصر الله

وفى شرحه للآية: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) [البقرة: 249]، يشير الشيخ علي للصلة العميقة بين شهر رمضان والجهاد، وقال في رمضان كانت أبرز غزوات الإسلام واشرف ملاحمه وهى بدر الكبرى التي كانت عزا للمسلمين، ونصرة لدين الإسلام ، وقد أداها المسلمون وهم صائمون محتسبون ، في هجير غائظ وقلة قليلة فانتصروا بها على الكثرة الكاثرة..

وذلك أن العدة والعتاد كانت زاد رمضان الرباني ومدده الرحماني.. لقد كان النصر في بدر الكبرى نتاجا للمدرسة التربوية في رمضان، فإذا كان الصائم القائم في هذا الشهر يدع طعامه وشرابه لله، ويمسك عن الشهوة منذ طلوع الفجر حتى الشمس ابتغاء وجه الله، ويحفظ جوارحه استجابة لأمر الله، ويرعى الحرمات ويذر المحرمات طالبا مرضاة الله، فهو في ذلك إنما يتشبه بأخلاق الملائكة، ولذلك كان خليقاً أن ينزل الله الملائكة في يوم بدر جنودا مناصرين للمسلمين الصائمين يقاتلون معهم، ويشدون أزرهم، ويثبتون أقدامهم، حتى يبلغ بهم النصر المبين.

ويواصل الشيخ طه ويقول إن مدرسة رمضان التربوية واسعة المناهج عميقة المقاصد، نتعلم فيها أن الزاد القليل يكفي للمسيرة الطويلة، وان الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وذلك إذا كانت العدة والعتاد هما التقوى التي يقوم بها مستطاع الإعداد والاستعداد. وتناول أهمية أن يأخذ الناس من جهاد المسلمين في رمضان ببدر الكبرى الفكرة والعبرة بأن الجهاد صف كالبنيان المرصوص، هو مفتاح النصر، خاصة وأن الله تعالى يحب وحدة الصف في الجهاد، كما يحبه في الصلاة وسائر أعمال الطاعات.

(ولأن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) [الصف: 4].. لذلك وجب علينا التمسك بوحدة الصف وتوحيد الوجهة والقبلة، لا تفاضل بيننا لعصبية قبلية أو جهوية أو حزبية، ولا تنازع في أمرنا لمنفعة شخصية أو مصلحة ذاتية، وإنما في الرعاية لحق الإنسان في الكرامة، والعناية بواجب الإنسان في المسؤولية (كلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته).. وكلنا أمل للأمانة ووفاء بالعهد.

وفى شرحه للآية (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) [الرحمن: 60].

يقول عثمان: يطلب الصائمون القائمون ليلة القدر وهى ليلة نزول القرآن في رمضان، في العشر الأواخر من الشهر المبارك، فكأنهم ظلوا طوال العشر الأوائل والعشر الأواسط يراقبون ملكوت الله، ووجه الله، ويتطلعون إلى رضوان الله، كان حقيقاً على الله أن يجزيهم الإحسان بالإحسان، وذلك سواء بتقبل صيامهم وقيامهم، أو بتجلي الرحمة ونزول البركة، وفى تلك الليلة المباركة، إلى يقين بالله ويقين بفضل الله، والإحسان ثمرته الإيقان.