قال الله تعالى:( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِي الْقَلْبُ).

إن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صورنا وأجسادنا إنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، لأن القلب محل نظر الله من العبد، وهو الذي إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا مرض وفسد فسد الجسد كله، والقلب محل معرفة الله ومحبته وخشيته، وخوفه ورجائه، ومحل النية التي بها تصلح الأعمال وتقبل. قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى). متفق عليه.

قال ابن القيم رحمه الله: لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها انقسم بحسب ذلك إلى هذه أحوال ثلاثة: فالقلب السليم هو الذي ينجو وينال رضي الله يوم القيامة، فهو الذي سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خيره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه عام.

بل خلصت عبوديته وعمله لله تعالى، فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أو منع فلله وحده، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحاكم لكل من عادى رسوله صلى الله عليه وسلم، وينعقد قلبه عقداً محكماً على الإتمام والاقتداء به وحده دون أي واحد في الأقوال والأفعال، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله قليله وكثيره وجله ما جاء به الرسول، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة، ولا قول ولا عمل امتثالا لقوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، أي لا تفتوا حتى يفتي هو، ولا تقولوا حتى يقول هو، ولا تتقدموا بين يدي أمر حتى تسمعوا فيه كلامه هو صلى الله عليه وسلم، فالذي يقف عند هذا الأمر هو صاحب القلب السليم، أي السليم من الشك والشرك وأمراض الكبر والعجب والحقد والحسد والكراهية والبغضاء وكل العلل والأمراض والأسقام.

والقلب الثاني: ضد هذا، وهو القلب الميت الذي لا يعرف ربه ولا يعبده، فالهوى إمامه، والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبه، فمخاطبة صاحب هذا القلب سقم، ومعاشرته سم، ومجالسته هلاك وهو قلب قاس توعده الله بالويل والعقاب، قال تعالى (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ).

والقلب الثالث: فهو قلب له حياة وبه علة، ففيه من محبة الله والإيمان به ما هو مادة حياته، وفيه محبة الشهوات وإيثارها ما هو مادة هلاكه، وهو ممتحن بينهما وهو لما غلب عليه منها، وقد يصدق عليه قول الحق تبارك وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ). فالقلب الأول حي مخبت لين، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى.

روى الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».

وجاء عن حذيفة بن اليمان قوله: «القلوب أربعة: قلب أجرد، أي متجرد من كل ما سوى الله ورسوله، فيه سراج مزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمى، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، فهو لما غلب عليه منهما».