هي ذاكرته الملأى بالتفاصيل المرتبطة بشهر رمضان المبارك، تعود بالفنان اللبناني ذي العديد من الأعمال التي تدور في الفلك الرمضاني، أحمد قعبور، لأكثر من 45 سنة خلت، وتحديداً الى غرفة الجلوس في منزل عائلته في محلّة «البسطة التحتا في بيروت، إذ كانت «مليئة بالطراريح ومساند الظهر»، و"كنت أسألها عن الأيام التي تلزمني كي أصبح أكثر طولاً لكي أصل الى شبّاكها (نافذتها)، والذي ما زلت أذكر حديده المزخرف جيداً».

وحلم الوصول الى النافذة لم يكن يومها آتياً من العدم، بل اقتضاه فعل رغبة «الطفل أحمد» في رؤية الناس من الزاروب، و«بخاصة أحمد الأخرس الذي فتح كشكاً صغيراً كي يبيع الدروبس (المعلّل) للأولاد».. يسرح بخياله الى البعيد كمن يلملم أفكاره.

ويضيف: «كان سؤال طول القامة يلحّ أكثر في شهر رمضان، لاسيما حين كنت أسمع طرطقة الصحون والشُوَك والملاعق، ممزوجةً بصوت المسحِّر الذي كنت أشعر أنه يأتي من كوكب آخر».

غالباً ما كان قعبور يحاول القفز إلى الشباك لاكتشاف ملامح هذا الشخص الآتي من مكان يشبه أماكن القصص، وفق توصيفه.. «يا نايم وحّد الدايم»، وحدها هذه الجملة كانت كافية لإثارة الكثير من المشاعر لديه، تماماً كما الشغف العاطفي الذي كان يستبدّ به حين كان يرى والدته وهي تقوم بتحضير «قمر الدين» و«الجبنة العكاوي»، لتقول للوالد: «يلّلا يا محمود ما بدّك تتسحّر، هيك هيك إنت صايم الدهر»، و"لم يكن أبي، المشغول بسعاله الدائم، يجيبها.. بينما أنا في سريري، أصارع النوم مأخوذاً بصوت المسحِّر ذي الصوت الساحر».

هو صوت المسحّراتي «لم يعد اليوم سوى تفصيل إستهلاكي سخيف على موائد ومنابر هذا الشهر».

هكذا يرى، لكن «من رمضان إلى رمضان، ما زال هذا الصوت يشقّ عباب الليل ليستقرّ آمناً مطمئناً في أذني، في عمر أتوق فيه إلى لحظات من الأمان والطمأنينة واختيار متجدّد لمعنى الحياة".. علماً أن قعبور إستعاد صوت المسحّراتي وهو يناديه «ضوّي ليالينا/ وعّي أهالينا»، في أغنية «علّو البيارق».

والتي توصف بأنها «أيقونة رمضان»، غنّاها أطفال «دار الأيتام الإسلامية» وأصبحت متداولة، لا في لبنان فقط وإنما في مختلف بلاد العالم العربي، وذلك في إطار رهانه، كما يقول، على «إضفاء قيمة أخلاقية وإنسانية واجتماعية على مناسبة دينيّة سوف تدوم سنوياً».