«من لا يحفظ الآية الكريمة «وبالوالدين إحسانا».. يقول الداعية الإسلامي وائل علي البتيري «كلنا يحفظ قول عز وجل»، ولكن من منا يعمل به؟
يشير البتيري إلى أن الله عز وجل قرن في هذه الآيات بين عبادته وإحسان المرء لوالديه، وجعل ذلك قضاءً منه، أي أمراً لازماً محتماً لا يقبل الرد أو التشكيك فقال: {وقضى ربك} وكأنه جلّ شأنُه يقول: يا من تؤمن بربوبيتي! لا يستقيم إيمانك من دون الإحسان إليهما، والإيمان بربوبيتي يستلزم ما قضيتُه عليك وألزمتك به من هذا الإحسان. وقرنُ الإحسان بالعبودية بعد الربوبية يزيد من عظم شأن هذا الإحسان، ويرفع من مقامه عند الرب المعبود سبحانه.
ويذكر الداعية الاسلامي بان في قوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} توكيد في الأمر بالإحسان باستخدام المصدر المؤكِّد، فتقديره: قضيت عليكم أن تحسنوا إليهم إحساناً. ومما يزيد الأمر توكيداً أن الأمر بالإحسان للوالدين تكرر في القرآن خمس مرات، فضلاً عن دخوله في الأمر بالإحسان عموماً.
وأضاف إن كلمة (الإحسان) تستغرق كل فعل حسن جميل متقن مرغوب فيه، فالولد الموفَّق هو الذي يتحرّى ما يرغب فيه الوالدان من الأقوال والأفعال والأشياء التي تتجلى فيها صفات الحُسن والجمال والإتقان؛ فيسعى إليها سعيَ الطامع برحمة الله، الطامح إلى جنته، فإنه بإحسانه إلى والديه إنما يزيد من رصيد حسناته ــ التي تشترك مع الإحسان بمعاني الحُسن والجمال، وتتناقض مع السيئات بما تحمله من معاني السوء والقبح والدون ــ لأنه في الحقيقة يُحسن إلى نفسه {إن أحسنتُم أحسنتُم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}.
كما خصّ سبحانه وتعالى في هذه الآيات مرحلة من الزمن يعيشها الوالدان هما أحوج فيها إلى الإحسان من غيرها، وهي مرحلة الكبَر، حيث تكثر أعباؤهما على أولادهما، ويكثر تأفُّف هؤلاء الأولاد وتضجُّرهم من متطلبات هذه المرحلة المرهقة لهم، فجاء النهي الإلهي عن قول كلمة (أُفّ).
وقال بعض أهل العلم إنه لو وُجدت كلمة في التضجُّر والاستثقال أقل درجة من هذه الكلمة لجاء بها الخطاب القرآني في هذا السياق، لأن النهي عن كلمة (أف) هنا نهيٌ عما فوقها من الأقوال والأفعال التي تغضب الوالدين وتسخطهما.
يقول البتيري: أكد الرب تبارك وتعالى ذلك فقال بالدلالة الصريحة الواضحة: «ولا تنهرهما» أي لا تغلظ عليهما بالزجر والنهر فتغضبهما، ولا تفجأهما بالكلام الفج الذي يسخطهما عليك، ولا يعني ذلك الصمت والسلبية، وإنما كن إيجابياً معهما «وقل لهما قولاً كريماً» تجود به عليهما.. محبَّباً إلى نفسيهما، يسيراً فهمُه بالنسبة لهما، يرضيان به عنك، ويسكنان به إليك.
ليس هذا فحسب، بل {واخفض لهما جناح الذلِّ من الرحمة} فهو بين أيديهما خاضع ذليل، مستسلمٌ لأمرهما، معظِّم لقدْرهما، يمشي في حاجاتهما على بساط من الانكسار والقناعة بأنه مهما فعل فلن يوفيهما حقهما، إلا أنه يتقي الله فيهما ما استطاع.
وقوله: {من الرحمة} تعليلٌ لهذا الخفض والتذلل، أي ذلك لهما إنما ينبغي أن يكون من أجل الرحمة بهما، لا لتطلعك إلى منفعة زائلة، أو مصلحة مؤقتة، وإنما يكون ذلك إذ يكون رحمةً بهما، ورحمةً بهما فحسب.
