الصدق في القول أساس الثقة، والثقة عليها مدار التعامل، والارتباط بالثقة الاطمئنان والمحبة، وبالثقة تنجز الأعمال وتستقيم الأحوال، والمؤمن الحق صادق بطبعه صريح في كل أمره لا يكذب ولا ينافق ولا يغش ولا يخادع ليس له باطن يستره بمظاهر خادعة ولا ظاهر يتكلفه ليضلل الناس ويرى الرجولة أن يتمسك بالصدق ولو تضرر به ويرى العار والجبن في أن يستعين بالكذب ولو انتفع منه فهو إن حدث صدق وإن وعد أنجز وإن اؤتمن وفى وإن أحب شيئاً تجلى الحب في عينيه وإن كره أمراً بان الكره في وجهه ظاهره وباطنه سواء.

المؤمن يعتز بشخصيته فلا يسقطها بالكذب ويتعصب لرجولته فلا ينقصها بالتلون، ولا ينكر حقاً لديه ولا يغتال مالاً وصل إليه، طاهر الذيل تقي السريرة يزن ما يقول ويقدر ما يعمل فهو في غنى عن الحلف يؤكد به قوله وعن الأيمان المغلظة يصل بها لغرضه وعن القسم يبرر به عمله لا يجعل اسم الله مضغة في فمه ولا يحلف إلا لضرورة ولا يقسم إلا ليؤكد كلامه عند السامع فإن اسم الله جليل عظيم لا يتهجم عليه المؤمن دائماً ولا يتشدق باليمين إلا نادراً فالله يقول : " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم".

لكن الناس زادت أطماعهم فنقص إيمانهم وكثرت آثامهم فقل خيرهم وعم الكذب بينهم فضاعت ثقتهم ببعضهم وضاعت أمانتهم وفقدوا كرامتهم فلجؤوا للأيمان الكاذبة يحلفون جزافا وتجرؤوا على أسماء الله تهاوناً واستخفافاً وكلما أوغلوا في الكذب أكثروا من الإيمان وكلما انكشفوا للخلق أقسموا باطلا بالخالق فكرههم الناس وسخط عليهم ربهم ( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه).

إذا كان الله نهانا عن اسمه الكريم نجعله عرضة لأيماننا ولو حقاً وإذا كان الله أوجب علينا كفارة لليمين المنعقدة إذا لم ينفذها الحالف فكيف يستبيح قوم الحلف بالله كذباً والقسم باسمه تضليلاً عمداً؟؟ حتى رخص اسم الله في أفواه التجار يروجون به سلعتهم وهان اسم الله عند المغتابين يدافعون به عن غيبتهم وضاعت هيبة الدين من القلوب فلاكت الألسن أسماء الله بكل تبجح وجرأة حتى لتكاد تسمع لكل كلمة يميناً .

ولكل جملة قسماً وصار من عادة الكثيرين تكرار الأيمان وترديدها حتى لو أحصيت حديثه لرأيت أغلبه أيماناً وحلفاً، عمت الغفلة وعميت القلوب واستقل المسلم اسم ربه وما قدروا الله حق قدره فاخترعوا أيماناً كثيرة بغير الله وأقساماً عديدة مبتدعة فحلف المسلم برأس أبيه وقبر أمه وحلف بشاربه وبلحيته وحلف بعينه ورقبته وابنه وابنته والحلف لا يكون إلا بمعبود نخشاه وإله نخاف عدم البر باسمه والكذب عند الحلف به الحلف تعظيم وتقديس وإقرار بأن المحلوف به له علينا قدرة وسلطان قال صلى الله عليه وسلم " من حلف بغير الله فقد أشرك" .

والداهية العظمى في الحلف بالطلاق ولا يصدق الناس إلا من حلف بالطلاق ومن أقسم بالله شكوا في قسمه وطلبوا منه يميناً يحرم عليه زوجه ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: " ما حلف بالطلاق مؤمن ولا استحلف به إلا منافق".

فيجب أن نتبع ديننا لحفظنا ألسنتنا وضبطنا قولنا وما حلفنا إلا اضطراراً فإذا اضطررنا لا نحلف إلا بالله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.