هناك مطلب نفيس وأمنية غالية يطلبها كل الناس، هي السعادة والراحة والابتعاد عن الأمراض المستعصية، وأنا رأيت أن ذلك يتحقق بالصفح والعفو، والصفح أبلغ من العفو، فقد يعفو الإنسان ولا يصفح والصفح يعني صفحة جديدة مع من اختلفت معه، وأكثر الأمراض النفسية والعضوية تكون نتيجة لما يكبته الإنسان من مشاعر الانتقام والحقد لأنه يوتر عضلة قلبه باستمرار وقلما تجده سعيداً مع نفسه ومع غيره، يقول أبو بكر رضي الله عنه: (سلو الله العفو والعافية والمعافاة) يقول ابن منظور:(أن يعافيه الله تعالى من سقم أو بلية أي يعافيك من العلل والأمراض.
وأما المعافاة فأن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك ويصرف أذاهم عنك ويصرف أذاك عنهم) والعافية هي دفاع الله عنك.
وانظر أخي كيف يدافع عنك الله وأنت لا تشعر، يبعد عنك الأذى ويوفقك لكل ما هو خير وصلاح قلبك حتى ينجيك من عذابه وهذا أفضل ما يسأل العبد ربه هو أن يعافيك من عذاب النار وعذاب القبر، فقد ورد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
قالت أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنك سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأوراق مقسومة لا يعجل منها شيئا قبل حلّه ولا يؤخر منها شيئاً بعد حله ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيراً لك) فرحمته واسعة وعفوه يشمل جميع عباده في هذا الشهر الكريم ولا يجوز لأحد أن يضيق رحمة الله وعفوه.
جاء رجل عند عبدالله بن عمر رضي الله عنهما من مصر فقال له إني سائلك عن شيئين فحدثني عنهما: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد ؟ قال نعم قال الرجل: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟
قال: نعم، قال الرجل: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له وأما تغيبه عن بدر، كانت تحته بنت رسول وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه) وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده. فقال للرجل اذهب بها الآن معك، وهذا الموقف يرشدنا بأن لا نتسرع في الحكم على الآخرين فلابد من التأكد من صحة الخبر.
المؤمن التقي النقي يعفو عن جميع العباد حتى يحظى في يوم القيامة بعفوه وكرمه، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: بلغنا أن الله يأمر منادياً يوم القيامة فينادي: (من كان له عند الله شيء فليقم، فيقوم أهل العفو فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن الناس). حتى الذي يظلمك أن عفوت عنه فأنت المستفيد ولو ظللت تدعو عليه فلن تستفيد من دعائك عليه إلا الاستجابة من الله وقسم ظهره .
وقد تبكي بعد ذلك عندما تراه في مصيبة، انظروا إلى أخلاق الصحابة كيف كانت هذا ابن مسعود جلس في السوق يبتاع طعاماً فابتاع ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلّت فقال: لقد جلست وإنها والله لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون: اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها اللهم افعل به كذا، فقال ابن مسعود: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها وإن كان حمله جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه).
أخي اعف واصفح ولا تنم على فراشك إلا وأنت خالي الصدر عن المسلمين قل: اللهم إني عفوت عمن ظلمني فأعفو عني.
